
في زمنٍ اختلطت فيه الشعارات بالمصالح لم يعد المشهد السياسي قائما على صراع حقيقي بين مشروعين متناقضين بل أصبح أقرب إلى إدارةٍ متقنةٍ للوهم سلطة تتقن صناعة الخوف باسم الحفاظ على الدولة ومعارضة تحسن تسويق الانتظار تحت لافتة التغيير. وبين هذا وذاك يبقى المواطن عالقا في دائرة مغلقة يتنقل فيها الخطاب من منصة إلى أخرى بينما النتيجة واحدة:
إعادة إنتاج الأزمة نفسها بوجوه مختلفة.
لقد فقدت السياسة معناها الأخلاقي والإنساني وتحولت إلى حرفة قائمة على المناورة وإتقان الخداع لم يعد الهدف بناء الأوطان أو صيانة كرامة الإنسان بل التحكم في العقول وإدارة المصالح وتقاسم النفوذ. وفي هذا المستنقع ظهر جيش من محترفي التبرير والتزييف أولئك الذين حوّلوا الإعلام إلى أداةٍ للابتزاز المعنوي يبيعون المواقف كما تُباع السلع ويستبدلون الحقيقة بضجيجٍ مصنوع بعناية.
إن أخطر ما في هذا الانحدار ليس فساد السياسي وحده بل سقوط الكلمة نفسها في قبضة المرتزقة. فكم من منبرٍ يفترض أن يكون صوتا للوعي صار مجرد غرفة صدى للسلطة أو سوقا للمزايدة الرخيصة إعلام لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الجهة التي تدفع أكثر فيلبس الباطل ثوب الحكمة ويُقدم الفشل على أنه إنجاز بينما يصور كل صوت حر كأنه خطر يجب عزله وتشويهه.
وفي خضم هذا الضباب الكثيف يترك الشعب وحيداً يواجه قسوة الواقع. يطلب منه أن يصفق للخطب الرنانة وأن يصدق أن الحرمان تضحية وطنية وأن يقنع نفسه بأن الصبر على الإهانة نوع من البطولة أما معاناته اليومية فلا تجد مكانا في حسابات المتصارعين على النفوذ لأن المواطن بالنسبة لكثير منهم ليس إنسانا كاملا بل مجرد رقم انتخابي أو وسيلة للوصول إلى الكرسي.
ومع مرور الوقت يكتشف الناس أن الصراع المعلن بين أطراف المشهد ليس دائما صراعا من أجل الوطن، بل كثيرا ما يكون تنافسا على إدارة الغنيمة نفسها تتبدل الوجوه والخطابات لكن آليات الهيمنة تبقى ثابتة ويبقى الوطن مستنزفا بين سلطة تخشى فقدان امتيازاتها ومعارضة قد تنشغل أحيانا بحلم الوصول أكثر من انشغالها بحقيقة الإصلاح.
إن الأزمة الحقيقية ليست فقط في فساد الأنظمة أو هشاشة المعارضات بل في انهيار المعنى ذاته حين تصبح الحقيقة عبئا والضمير خسارة والكذب مهارة سياسية وإعلامية مطلوبة.
عندها يتحول الوطن إلى ساحة للمتاجرة ويصبح الإنسان البسيط آخر من يُفكر فيه رغم أنه أول من يدفع الثمن دائما.

