
يشكّل “ميثاق لحراطين” أحد أبرز التعبيرات الحديثة عن سعي شريحة واسعة من المجتمع الموريتاني إلى انتزاع حقوقها التاريخية، ووضع حد لمظاهر التهميش والإقصاء الاجتماعي.
وقد جاء هذا الميثاق في سياق وطني وإقليمي يتسم بتزايد الوعي الحقوقي، وتصاعد المطالب بالمساواة والعدالة الاجتماعية.
غير أن هذا الإطار الذي انطلق من خلفية حقوقية صرفة، سرعان ما وجد نفسه في قلب جدل سياسي معقّد، بين من يراه أداة نضال مشروع، ومن يعتبره وسيلة للتوظيف السياسي.
من الناحية الحقوقية، يمثل الميثاق منصة للدفاع عن قضايا لحراطين، وعلى رأسها محاربة مخلفات الرق، وتعزيز الاندماج الاجتماعي، وضمان تكافؤ الفرص في التعليم والعمل والتمثيل السياسي.
وقد أسهم في تسليط الضوء على اختلالات بنيوية لا تزال تعيق تحقيق المواطنة الكاملة، كما وفّر إطارًا مدنيًا للتعبير عن مطالب طال انتظارها.
في هذا السياق، يحظى الميثاق بدعم شريحة من النشطاء الحقوقيين الذين يرون فيه امتدادًا طبيعيًا لمسار طويل من النضال السلمي.
لكن في المقابل، لا يمكن إغفال البعد السياسي الذي بات يحيط بالميثاق، سواء من خلال انخراط بعض مؤسسيه في العمل السياسي، أو عبر محاولات أطراف مختلفة استثماره في الصراع على النفوذ. فقد تحوّل، في نظر منتقديه، إلى أداة تُستخدم أحيانًا لحشد التأييد أو الضغط السياسي، ما يهدد – بحسب هؤلاء – بإفراغه من مضمونه الحقوقي الأصلي. كما أن الخلافات بين بعض الفاعلين داخله تعكس صراعًا حول القيادة والتوجهات، وهو ما قد يضعف وحدته ويؤثر على مصداقيته.
هذا التداخل بين الحقوقي والسياسي يطرح إشكالية جوهرية: هل يمكن فصل النضال الحقوقي عن العمل السياسي في سياق مثل موريتانيا؟ الواقع يشير إلى أن العلاقة بين المجالين غالبًا ما تكون متشابكة، حيث تحتاج القضايا الحقوقية إلى دعم سياسي لتحقيق التغيير، لكن هذا الدعم قد يتحول في بعض الأحيان إلى عبء عندما تطغى الحسابات السياسية على الأهداف الأصلية.
إن مستقبل “ميثاق لحراطين” مرهون بقدرته على الحفاظ على توازنه بين هذين البعدين. فنجاحه يتطلب ترسيخ استقلاليته كإطار حقوقي جامع، مع الانفتاح على الفاعلين السياسيين دون الارتهان لهم. كما يستدعي تعزيز الشفافية الداخلية، وتغليب المصلحة العامة على الطموحات الفردية.
في المحصلة، يظل الميثاق تجربة مهمة في مسار العدالة الاجتماعية في موريتانيا، لكنه يقف عند مفترق طرق حاسم: إما أن يواصل كرافعة حقوقية جامعة، أو أن ينزلق إلى ساحة التجاذبات السياسية، بما قد يفقده جزءًا من مشروعيته وتأثيره.

