هل يتجاوز ناصريو اليوم إخفاقات الأمس؟ من “التحالف الشعبي التقدمي” إلى “حشد”./ احمد محمد حماده

4 مايو, 2026 - 14:41

ليست عودة التيار الناصري إلى الواجهة السياسية في موريتانيا مجرد حدث حزبي عابر، بل هي استدعاء لتجربة كاملة بما فيها من طموح وانكسار. فمنذ مطلع التعددية في تسعينيات القرن الماضي، ظل هذا التيار يتأرجح بين قوة الفكرة وضعف التنظيم، بين خطاب وحدوي طموح وواقع سياسي معقّد لم يرحم انقساماته. اليوم، ومع بروز “حشد” كواجهة جديدة لهذا التيار، يعود السؤال القديم بثقل أكبر: هل نحن أمام ولادة مختلفة تتجاوز أخطاء الماضي، أم مجرد إعادة تدوير لتجربة لم تُحسم تناقضاتها بعد؟

يشبه ظهور حزب “الحركة الشعبية التقدمية – حشد” اليوم امتدادًا لمحاولة قديمة لإعادة بعث التيار الناصري في موريتانيا، لكن هذه المرة في سياق سياسي واجتماعي مختلف، يفرض أسئلة أعمق حول القدرة على تجاوز إخفاقات الماضي وبناء مشروع سياسي قابل للحياة.

فمع انطلاق التعددية الحزبية مطلع تسعينيات القرن الماضي، برز التيار الناصري كأحد التيارات الحاملة لخطاب قومي تقدمي، مستلهمًا إرث جمال عبد الناصر. غير أن هذا الحضور لم يتجسد في إطار موحد، إذ سرعان ما عصفت به الانقسامات الداخلية، التي لم تكن مجرد خلافات تنظيمية عابرة، بل عكست تباينات في الرؤية والطموح، وأضعفت قدرته على التحول إلى قوة سياسية مؤثرة.

في خضم تلك المرحلة، تأسس حزب التحالف الشعبي التقدمي كأحد أبرز تعبيرات الناصريين سياسيًا، لكنه وُلد في بيئة مشحونة بالانقسام، ما جعله يعاني لاحقًا من هشاشة تنظيمية ومحدودية الانتشار. ومع مرور الوقت، كاد الحزب أن يتراجع إلى هامش المشهد السياسي، لولا التحولات التي أعادت تشكيله.

وجاءت لحظة التحول الحاسمة مع اندماج تيار “العمل من أجل التغيير” بقيادة مسعود ولد بلخير، الذي حمل معه إرث حركة الحر ونضالاتها الاجتماعية، خاصة بعد حل إطارها الحزبي من قبل النظام آنذاك. هذا الاندماج لم يقتصر على إعادة الحيوية للحزب، بل مكّنه أيضًا من تحقيق اختراق انتخابي تمثل في الحصول على مقعد في البرلمان، مستفيدًا من القاعدة الاجتماعية التي وفرها هذا التيار، ومن التقاء الخطاب الناصري مع المطالب الحقوقية والاجتماعية. ورغم رمزية هذا التمثيل النيابي، إلا أنه عكس إمكانية ترجمة التحالفات السياسية والاجتماعية إلى حضور مؤسسي، ولو في حدوده الدنيا.

هذا التزاوج بين الخطاب الناصري والبعد الحقوقي-الاجتماعي منح الحزب نفسًا جديدًا، لكنه في الوقت نفسه غيّر من طبيعته، حيث لم يعد تعبيرًا صرفًا عن الناصرية، بل أصبح مزيجًا بين مرجعيات متعددة.

اليوم، ومع إعلان “حشد” عن نفسه كإطار سياسي يسعى إلى جمع الوطنيين المؤمنين بالتحرر والعدل والوحدة، يعود التيار الناصري إلى الواجهة، رافعًا شعارات العدالة الاجتماعية والدولة المدنية والوحدة الوطنية. غير أن التجربة التاريخية تفرض قراءة متأنية: فالمشكلة لم تكن يومًا في الشعارات، بل في القدرة على ترجمتها إلى مشروع واقعي متماسك، قادر على الصمود أمام تحديات الواقع السياسي.

فهل ينجح ناصريو اليوم فيما فشل فيه ناصريو الأمس؟
المؤشرات توحي بوعي أكبر بضرورة الوحدة وتجاوز الخلافات، وبأهمية الانفتاح على مختلف مكونات المجتمع. لكن التحدي الحقيقي يظل في بناء قاعدة اجتماعية واسعة، وتقديم بدائل عملية تعالج قضايا التفاوت والتهميش، بعيدًا عن الطرح النظري المجرد.

في المحصلة، لا يُقاس نجاح التجارب السياسية بنقاء الشعارات، بل بقدرتها على تحويل الذاكرة إلى درس، والاختلاف إلى قوة، والطموح إلى إنجاز. أمام ناصريي اليوم فرصة نادرة: إما أن يكتبوا فصلًا جديدًا يتجاوز إرث الانقسام ويؤسس لفاعلية سياسية حقيقية، أو أن يبقوا أسرى دورة مكررة من البدايات الواعدة والنهايات المتعثرة. فالتاريخ لا يمنح الفرص مرتين بسهولة، لكنه يكافئ من يحسن قراءته—وهنا فقط سيتحدد ما إذا كان “حشد” بداية تحول، أم مجرد صدى متأخر لتجربة لم تكتمل.