
لم يعد الحديث عن أزمة المحروقات والغاز في موريتانيا بوصفها ظرفًا عابرًا مقنعًا لدى الرأي العام، في ظل مشاهد يومية لطوابير الانتظار، وارتفاع الأسعار، وغياب بدائل حقيقية تخفف الضغط عن المواطنين.
فالمعطيات على الأرض تشير إلى أن الأزمة تتجاوز تأثيرات الأسواق الدولية أو الاضطرابات الجيوسياسية، لتكشف عن اختلالات عميقة في تسيير قطاع حيوي يمس الحياة اليومية بشكل مباشر.
ويرى متابعون أن جوهر المشكلة لا يتعلق فقط بندرة الإمدادات، بل يرتبط أساسًا بضعف التخطيط الاستراتيجي وغياب رؤية طاقوية بعيدة المدى، إلى جانب هشاشة منظومة الاستيراد ومحدودية قدرات التخزين، فضلًا عن اختلالات في شبكات التوزيع.
كما ساهم ضعف الرقابة في تفاقم الأزمة، حيث أتاح المجال أمام المضاربة والاحتكار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل غير مبرر، وزاد من معاناة المواطنين الباحثين عن الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
ويؤكد مختصون أن الاعتماد شبه الكلي على الخارج في توفير المحروقات والغاز، دون بناء احتياطات استراتيجية كافية، يجعل البلاد عرضة لأي تقلبات دولية، حتى وإن كانت محدودة، وهو ما يعكس غياب سياسات استباقية قادرة على امتصاص الصدمات.
وفيما يتعلق بإدارة الأزمات، يُلاحظ أن المقاربة الحالية تعتمد غالبًا على ردود الفعل بدل التخطيط المسبق، من خلال إجراءات ظرفية وقرارات متأخرة تفتقر إلى الانسجام والاستمرارية.
ويجمع مراقبون على أن معالجة الأزمة تتطلب إصلاحًا شاملًا للقطاع، يبدأ بوضع سياسة طاقوية وطنية واضحة تقوم على تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وبناء مخزون استراتيجي يضمن الحد الأدنى من الاستقرار.
كما تشمل الحلول المقترحة إصلاح منظومة التوزيع، وتشديد الرقابة على السوق لمنع الاحتكار، إلى جانب تعزيز الشفافية في إدارة القطاع، بما يعيد ثقة المواطنين ويحد من انتشار الشائعات.
ويرى خبراء أن الاستثمار في الطاقات البديلة أصبح ضرورة ملحّة، وليس خيارًا ثانويًا، من أجل تقليل الاعتماد على الخارج وتحقيق استقلال طاقوي تدريجي.
وفي المحصلة، تمثل أزمة المحروقات والغاز اختبارًا حقيقيًا لقدرة السياسات العمومية على الاستجابة للتحديات؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بإدارة ظرف طارئ، بل بمدى جاهزية الدولة لإرساء نموذج تسيير فعّال ومستدام.
فالأزمات قد تكون عابرة،
لكن سوء التسيير وغياب التخطيط كفيلان بتحويلها إلى واقع دائم.

