دماء على تخوم الصمت: حين تتحول الحدود إلى منطقة سائبة / احمد محمد حماده

27 مارس, 2026 - 13:44
احمدمحمدحمادة/كاتب محلل سياسي

ليس ما جرى في تخوم الحوض الغربي مجرد حادث عابر يمكن إدراجه ضمن “أخطاء الميدان”، بل هو مؤشر مقلق على تحوّل الحدود الموريتانية–المالية إلى فضاء رمادي، تختلط فيه السيادة بالهشاشة، وتضيع فيه أرواح البسطاء بين فوضى السلاح وارتباك القرار.
ثمانية شبان – على الأقل – خرجوا من قرية “سرسار” بحثا عن مورد رزق، فعادوا أسماءً في لائحة موت موجعة. لا لشيء سوى أنهم وجدوا أنفسهم في الجغرافيا الخطأ، وفي الزمن الذي فقدت فيه الدولة، أي دولة، قدرتها على التمييز بين المدني والمشتبه فيه. وهذه ليست المرة الأولى؛ فقبل أيام فقط، سقط شابان آخران من أبناء “بغداد” في ظروف مشابهة. وكأن الدم الموريتاني على تلك الضفة لم يعد يثير ما يكفي من الانتباه.
المشكلة هنا أعمق من حادثة، وأخطر من رواية محلية. نحن أمام خلل مركب:
دولة مالية تعيش ضغطا أمنيا خانقا، وجيش يتصرف بعقلية الاشتباه المفتوح، ومنطقة حدودية سائبة، ومواطن موريتاني بسيط يدفع الثمن لأنه الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
لكن، لنكن صريحين مع أنفسنا: هل يكفي أن نكتفي بإدانة ما حدث؟
وهل يجوز أن نظل نتعامل مع هذه الوقائع بمنطق “الحدث المعزول”؟
في مثل هذه اللحظات، لا يكون الصمت حكمة، بل يصبح عجزا مقنّعا.
موريتانيا، التي نجحت خلال السنوات الماضية في تحصين جبهتها الداخلية أمنيا، مطالبة اليوم بأن تمد هذا الحزم إلى خارج حدودها، أو على الأقل إلى تخومها المباشرة. فحماية المواطن لا تتوقف عند الخط الحدودي، خاصة حين تكون طبيعة العيش نفسها – كالرعي والتنمية الحيوانية – عابرة للخرائط المصطنعة.
كما أن من السذاجة السياسية أن نستمر في إدارة هذا الملف بأدوات ناعمة وحدها، في وقت تملك فيه موريتانيا أوراق ضغط حقيقية ومؤثرة ينبغي التلويح بها – بل واستخدامها تدريجيا إن اقتضى الأمر. فالعلاقة مع مالي ليست في اتجاه واحد، وموريتانيا تمثل منفذا حيويا لها نحو البحر عبر ميناء نواكشوط، كما تشكل أرضها فضاءً للعمل والإقامة لآلاف من رعاياها. وعليه، فإن إعادة ضبط هذه العلاقة قد تبدأ بإجراءات سيادية واضحة: من مراجعة امتيازات العبور والاستغلال اللوجستي، إلى تنظيم صارم لوضعية العمالة والإقامة، وصولا إلى خطوات دبلوماسية أكثر حدة كاستدعاء السفراء للتشاور. أما إذا استمر النزيف دون رادع، فإن كل الخيارات – بما فيها خفض مستوى التمثيل أو حتى قطع العلاقات – يجب أن تظل مطروحة، لا بدافع التصعيد، بل دفاعا عن كرامة الدولة وحرمة دم مواطنيها.
كما قد يرد البعض بالقول إن لموريتانيا جالية داخل الأراضي المالية، وأن أي تصعيد قد يعرّضها للمخاطر. غير أن هذا المنطق، وإن بدا حذرا، لا ينبغي أن يتحول إلى قيد يكبّل القرار السيادي. فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها داخل حدودها أو على تخومها، لن تحميهم أيضا خارجها بالصمت والتردد. وإذا اقتضى الأمر، فإن استدعاء الجالية وتأمين عودتها يظل خيارا مطروحا، بل خيارا سياديا بامتياز. ثم إن ميزان المصالح لا يميل بالضرورة ضدنا؛ فحاجة النظام المالي إلى موريتانيا – اقتصاديا ولوجستيا – أكبر بكثير من حاجتنا إليه، وهو ما يمنحنا هامشا معتبرا للتحرك بثقة ووضوح دون الارتهان لفزاعة ردود الفعل.
ما حدث يطرح أسئلة ثقيلة:
أين قنوات التنسيق الأمني الفعّال مع الجانب المالي؟
لماذا تتكرر الحوادث دون آلية ردع واضحة؟
وأين الدبلوماسية الوقائية التي يفترض أن تسبق الدم، لا أن تأتي بعده؟
الأمر لا يتعلق بالدخول في مواجهة، ولا بالتصعيد الخطابي، بل بفرض معادلة احترام متبادل: دم المواطن الموريتاني ليس مباحا، لا بالخطأ ولا بذريعة الاشتباه.
ثم إن من الخطأ أيضا تجاهل البعد المحلي. فهذه المناطق الحدودية ظلت لعقود تعيش على نمط اقتصادي هش، يجعل سكانها مضطرين للتوغل داخل الأراضي المالية. أي معالجة لا تأخذ هذا الواقع بعين الاعتبار، ستظل قاصرة. المطلوب ليس فقط حماية أمنية، بل أيضا رؤية تنموية تقلّص من هذا الارتهان القسري للجغرافيا الخطرة.
وفي الأخير، لم يعد هذا الملف يحتمل لغة التردد ولا إدارة ردود الفعل. المطلوب اليوم موقف رسمي صريح، يضع حدا لهذا النزيف، ويرسم خطوطا حمراء لا لبس فيها. رسالة واضحة وعلنية تقول إن دم الموريتاني خط أحمر، وإن حماية المواطن ليست موضوعا للتفاوض أو التأجيل. إنها لحظة تستدعي من النظام أن يقول كلمته الحاسمة، لا في الغرف المغلقة، بل أمام الرأي العام، حتى تستعاد هيبة الدولة، ويُفهم – دون مواربة – أن ما كان يحدث لن يُسمح له أن يتكرر.

 

 

الفيس بوك

بث مباشر