
في ظل إعلان الشركة الوطنية للكهرباء «صوملك» تقليص الإنارة العمومية كإجراء مؤقت لترشيد استهلاك الطاقة، تبرز تساؤلات ملحّة حول مدى شمولية وعدالة هذه التدابير، خاصة في سياق أزمة طاقة متفاقمة وارتفاع عالمي في أسعار المحروقات.
لا شك أن ترشيد الاستهلاك أصبح ضرورة وطنية تفرضها الظروف الاقتصادية الراهنة، وأن الحفاظ على استقرار المنظومة الكهربائية يتطلب تضافر جهود الدولة والمواطنين على حد سواء.
غير أن هذا المسعى يفقد جزءًا من مصداقيته حين يُطلب من المواطن البسيط وحده تحمّل تبعات الأزمة، في وقت تستمر فيه ممارسات الاستهلاك غير الشرعي للكهرباء دون ردع حازم.
فبينما تغرق بعض الشوارع في الظلام بحجة التقشف، لا تزال شبكات غير قانونية تستنزف الطاقة خارج أي رقابة فعلية، في ظل ما يُوصف أحيانًا بصمت مريب أو تواطؤ غير معلن.
هذا الواقع يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بعدالة توزيع الأعباء، ويُضعف ثقة المواطنين في جدوى الإجراءات المتخذة.
إن محاربة الهدر لا ينبغي أن تقتصر على تقليص الإنارة أو دعوات الترشيد، بل يجب أن تبدأ من معالجة جذور الاختلال، وعلى رأسها القضاء على سرقة الكهرباء بكل أشكالها، وتطبيق القانون بشكل صارم وعادل دون استثناء.
كما أن الإصلاح الحقيقي لقطاع الطاقة لا يمكن أن يتحقق بقرارات ظرفية فقط، بل يتطلب رؤية شاملة تقوم على الشفافية، وتعزيز الرقابة، ومحاسبة كل من يساهم في إضعاف هذا القطاع الحيوي، سواء عبر الفساد أو الاستغلال غير المشروع.
في النهاية، يبقى ترشيد الاستهلاك مسؤولية جماعية، لكن نجاحه مرهون بإحساس الجميع بالعدالة. فحين تُطبَّق القوانين على الجميع دون تمييز، يصبح المواطن أكثر استعدادًا للمساهمة، ويتحول الترشيد من عبء مفروض إلى واجب وطني مشترك.

