من الهيمنة إلى الارتداد : كيف تحولت الحرب على إيران إلى فخ استراتيجي لأمريكا :د/ عبد الإله الخضري، باحث أكاديمي

24 مارس, 2026 - 23:44

مع دخول الحرب الصهيوأمريكية على إيران أسبوعها الثالث، تصارعت وتيرة التحولات نحو مساقات لم تكن ضمن حسابات صناع القرار في الإدارة الأمريكية، ليفرض السؤال التالي : لماذا لم تهزم إيران، وكيف وجدت الولايات المتحدة نفسها عالقة في فخ استراتيجي قد يعيد صياغة قواعد المواجهة؟

هذا السؤال لا يقتصر على قراءة نتائج المعركة بحد ذاتها، بل يتجاوزها إلى تفكيك تحول أعمق في ميزان القوة. فبالرغم من شدة التصعيد وتعدد أدوات الضغط، لم تتحقق النتيجة المتوقعة، بل انقلب المسار من محاولة فرض الهيمنة إلى لحظة إعادة تشكيل للنظامين الإقليمي والدولي. وهنا يبرز التساؤل الأكثر تعقيدا: ما العامل الحاسم في هذا التحول؟ هل كانت القوة الصاروخية، أم معادلات الطاقة، أم السيطرة على الممرات البحرية؟

لفهم ذلك، لا بد من قراءة المشهد بوصفه منظومة مترابطة، وتحليله عبر مجموعة من المحاور التي تكشف كيف تغيرت قواعد اللعبة نفسها، لا مجرد نتائجها.

أولا: من الأهداف إلى النتائج – حين تنهار الاستراتيجية قبل أن تكتمل
واستحضارا لنظرية كارل فون كلاوزفيتز التقليدية حول الحرب وأهدافها، وإذا اعتمدنا المدرسة الواقعية وقواعد الحروب الحديثة “الهجينة” في تحليلنا، فإن نجاح الحروب لا يقاس بما يعلن في خطابات القادة بقدر ما يتحقق فعليا على الأرض، فالفجوة بين الهدف والنتيجة هي المعيار الحقيقي للنصر أو الهزيمة. بل أكثر من ذلك، لم تعد الحروب محصورة في الجبهة العسكرية فحسب، بل على مستويات متعددة، وفي الحالة الإيرانية، إذا كانت الأهداف المرسومة واضحة ومباشرة : تفكيك قدرات النظام الصاروخية، شل الحرس الثوري، إحكام السيطرة على برنامجه النووي، تفكيك بنيته الداخلية وخلق الفوضى “الخلاقة”، وتهيئة الأرضية لتغيير النظام الإيراني وفرض نظام موال، فإن المسار العملياتي كشف عن مفارقة حادة، إذ جاءت النتائج على النقيض تماما مما خطط له، فبدل إسقاط النظام، تعززت شرعيته الداخلية، وبدل تحييد القوة الصاروخية، اتسع نطاق استخدامها وتأثيرها، وبدل اختراق الداخل الإيراني أو تفكيكه، التحم الداخل وراء حكومته لدرء المعتدين، كما يوشك أثر الصراع أن ينتقل من نطاقه الإقليمي إلى مستوى عالمي يهدد أمن الطاقة عالميا.

من هنا تتشكل قاعدة دقيقة، مفادها، حين تفشل الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها الاستراتيجية، فإنها لا تكتفي بخسارة المعركة، بل تبدأ فعليا في إعادة تعريف موقعها داخل ميزان القوة الدولي.

ثانيا: ضربة حقول الطاقة – حين يتحول التكتيك إلى خطأ استراتيجي شامل
لم يكن استهداف حقول الطاقة، كحقل بارس للغاز المشترك بين إيران وقطر، ولا ردود الفعل الإيرانية صوب منشآت النفط والغاز في دول الخليج، مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل مثل انزلاقا نحو خطأ جيو-اقتصادي بالغ التعقيد. فهذه الحقول لا تمثل فقط مواقع إنتاج محلية، بل تشكل جزءا محوريا من شبكة الطاقة العالمية المترابطة، التي تعتمد عليها بشكل كبير الاقتصادات الصناعية الكبرى مثل ألمانيا، واليابان، وكوريا الجنوبية، والهند، سواء عبر واردات الغاز المسال أو عبر استقرار سلاسل الإمداد المرتبطة بمنطقة الخليج.

ما نتج عن هذه الضربات كشف مفارقة قاسية، إذ لم تضعف الخصم بقدر ما زعزعت استقرار الحلفاء. فقد شهدت أسعار الطاقة ارتفاعا حادا، وتعرضت اقتصادات مرتبطة بالغاز لضغوط غير مسبوقة، كما دخلت أسواق النفط في موجة تضخم متسارعة.

وعليه، يمكن القول إن الضربات التي وجهت لإيران ارتدت في جوهرها على الدائرة الأقرب لواشنطن، لتصيب حلفاءها في عمقهم الاقتصادي، وتحولهم من شركاء في الاستراتيجية إلى متضررين من نتائجها.

ثالثا: مضيق هرمز – من ممر دولي إلى أداة سيادة
لم تتجه إيران إلى الخيار التقليدي المتمثل في إغلاق مضيق هرمز، بل سلكت مسارا أكثر تعقيدا وفاعلية، لقد عمدت إلى إعادة تعريفه عمليا. فقد أعادت صياغة قواعد المرور عبره من خلال السعي إلى فرض تسجيل السفن ضمن منظومة رقابية خاصة بها، وتحديد الجهات المسموح لها بالعبور، وفرض رسوم مرتفعة على الناقلات، إضافة إلى توجيه حركة الملاحة نحو نطاقها الإقليمي. هذا التحول لم يكن تقنيا بقدر ما كان استراتيجيا عميقا، إذ نقل مركز الثقل من مفهوم السيطرة العسكرية إلى مفهوم التحكم بالقواعد. فلم تعد الهيمنة تقاس بعدد الأساطيل أو القواعد، بل بالقدرة على فرض شروط العبور وتنظيمه. وبذلك، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر دولي مفتوح، بل تحول إلى مساحة نفوذ فعلي تدار وفق معايير إيرانية، تعكس انتقالا واضحا في طبيعة القوة من السيطرة الصلبة إلى التحكم السيادي في حركة التجارة والطاقة. وهنا، سنرى بلا شك، خلال مفاوضات إنهاء الحرب، مضيق هرمز وقواعد مرور جديدة ضمن الشروط التي ستشترطها إيران.

رابعا: النفط والدولار – الحرب تعيد النقاش حول هيمنة الدولار
يقوم النظام الاقتصادي العالمي منذ عقود على معادلة دقيقة تجمع بين تدفق الطاقة واستقرار هيمنة الدولار، فيما يعرف بمنظومة “البترودولار”. غير أن مسار الحرب كشف عن اختلال عميق في هذه المعادلة، حيث أدت التطورات إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، ما فرض ضغوطا مباشرة على الاقتصادات الغربية، بالتوازي مع تراجع نسبي في استقرار الدولار كعملة مهيمنة.

في هذا السياق، لم يكن التحول مجرد نتيجة جانبية، بل بداية لإعادة تشكيل التوازنات المالية. فقد برز اليوان الصيني كلاعب هادئ لكنه مؤثر، عبر الدفع نحو تسعير النفط بعملات بديلة عن الدولار، وتقليص الاعتماد على النظام المالي الأمريكي، والعمل على بناء منظومات دفع موازية خارج الهيمنة الأمريكية التقليدية (l’hégémonie américaine). وهكذا، يتضح أن ما يبدو في ظاهره صراعا عسكريا، يخفي في عمقه مواجهة أكثر حساسية، تتمثل في الصراع على بنية النظام المالي العالمي، حيث تمتد المعركة لتتجاوز ساحات القتال نحو أسواق العملات ومراكز النفوذ النقدي العالمي.

خامسا: التناقض الداخلي الأمريكي – حين تتحول الرواية إلى دليل إدانة
برز خلال مسار الأحداث تناقض واضح بين الخطاب الرسمي والوقائع الميدانية، بما كشف عن فجوة متزايدة بين ما يقال وما يجري فعليا. فبينما تم الإعلان عن عدم نشر قوات برية، كانت التحركات العسكرية على الأرض تؤكد عكس ذلك. وفي الوقت الذي جرى فيه الحديث عن قرب انتهاء الحرب، يبدو التصعيد سيد الموقف، ويتسارع بوتيرة يومية. كما أن نفي التنسيق المسبق مع إسرائيل يصطدم بتصريحات رسمية تؤكد وجود هذا التنسيق المسبق.

هذا التباين لم يعد مجرد ارتباك إعلامي أو محاولة لإدارة الرأي العام، بل تحول إلى مؤشر أعمق على خلل في مركز القرار ذاته. فعندما تتناقض الرواية الرسمية مع المعطيات العملياتية، فإن ذلك يعكس تآكل القدرة على التحكم بمسار الأحداث، ومن هنا، يمكن قراءة المشهد بوصفه دلالة على فقدان السيطرة الاستراتيجية، وبداية مرحلة من التراجع التي تتجلى أولا في الخطاب، قبل أن تترسخ في الواقع. وهي مؤشرات على مسار قد يفضي إلى تراجع استراتيجي، فالفشل لم يكن جزئيا، بل شاملا لكل محاور القوة. فسياسيا، تعزز النظام في إيران بدل أن يتم إسقاطه، وعسكريا، توسعت قدرات الردع بدل تحييدها. أما اقتصاديا، فقد ارتدت كلفة الحرب على الحلفاء عبر ارتفاع أسعار الطاقة، بينما ماليا بدأ اهتزاز موقع الدولار مع فتح المجال لبدائل نقدية. وجيوسياسيا، تراجعت ثقة الحلفاء، وبحريا تحول مضيق هرمز إلى مساحة نفوذ تدار بشروط إيرانية.

إنها كيمياء التفاعلات التي تصنع الأحداث على غير ما ينتظره صانعوها، حين تكون بعض العوامل خارج نطاق التحكم، فالإدارة الأمريكية ومن خلفها حكومة الكيان الصهيوني ليست في طريق خسارة حرب محدودة في الزمن والمكان، بل تواجه انقلابا في نتائجها، إذ تحولت أدوات الضغط إلى مصادر ارتداد، وتبدلت موازين القوة من الهيمنة المباشرة إلى صراع على القواعد نفسها، يبدو أنه يتحول إلى هزيمة حقيقية، حيث تفقد القوة قدرتها على فرض النظام الذي خاضت الحرب من أجله.
خلاصة :

إن ما يجري من أحداث دراماتيكية خلال الحرب الصهيوأمريكية على إيران ليست تعثرات تكتيكية عابرة، بل سلسلة مترابطة من القرارات التي تفاعلت فيما بينها لتنتج بيئة هزيمة استراتيجية مكتملة الأبعاد. فبدلا من تحقيق هدف كسر شوكة إيران، انتهى المسار إلى زعزعة استقرار سوق الطاقة العالمي، وإدخال الاقتصاد الدولي في حالة اضطراب مفتوح، كما تآكلت ثقة الحلفاء الذين وجدوا أنفسهم يتحملون كلفة المواجهة دون ضمانات حقيقية للمكاسب. وفي الوقت ذاته، فتح الباب تدريجيا أمام تشكل نظام مالي بديل، يتراجع فيه احتكار الدولار لصالح ترتيبات نقدية جديدة، بينما فقدت واشنطن جزءا من قدرتها على التحكم بالممرات الحيوية التي شكلت لعقود أساس نفوذها العالمي.

وفي قلب هذا التحول، يتبلور مشهد مختلف، شرق أوسط لم يعد يدار بالكامل من واشنطن، بل يتشكل على إيقاع قوى إقليمية تعيد تعريف موازين القوة وقواعد الاشتباك. وهنا يبرز السؤال الأعمق، ليس فقط حول نتائج هذه المواجهة، بل حول معناها التاريخي، هل أدركت الولايات المتحدة أن سعيها لكسر إيران قادها عمليا إلى إضعاف ركائز هيمنتها؟ وهل نحن أمام لحظة انتقال كبرى، يعاد فيها رسم النظام الاقتصادي العالمي من نقاط الاختناق الاستراتيجية كهرمز، وبعملات جديدة كاليوان، بينما تتراجع واشنطن تدريجيا عن مركز اللعبة التي كانت تديرها؟

 

العمق المغربي

الفيس بوك

بث مباشر