
كتب اخي وصديقي احمد ولد محمد حماد تعقيبا علي كتبته عن "ذاكرة الأمهات"
في قراءتي لما نشره أخي العزيز أحمد ولد الدوه الشنقيطي عن الوالدة مريم دندو، أطال الله عمرها، وجدتني أعود، دون عناء، إلى زمنٍ بعيد، لكنه لا يزال نابضًا في الذاكرة… زمن شنقيط وآبير، حين كانت القيم تُعاش سلوكًا قبل أن تُدوَّن كلمات.
أعادني حديثها إلى لقائي بالمرحوم دندو ولد أعمر، إبّان زيارتي لشنقيط في منتصف الثمانينات، برفقة صديقي سالم دندو. كانت أيامًا قليلة في عددها، عظيمة في أثرها، حتى خُيّل إليّ أنها انقضت كأنها ومضات عابرة لا تتجاوز يومين أو ثلاثة.
في آبير، عشنا شهرًا كاملًا في ضيافة أسرةٍ لم تعرف الكرم خُلُقًا فحسب، بل جعلت منه معنى يُعاش… أهل دندو ولد أعمر، حيث كانت الضيافة سلوكًا راسخًا لا مجرّد عادة.
كان دندو شيخًا وقورًا، تحفّ به الهيبة دون أن تُباعد بينه وبين الناس، وتنساب من حديثه حكمة هادئة تستحضر الماضي كأنك تراه رأي العين. ومع وقاره، كانت فيه روح مرحة، يمازحنا بها كأبنائه، فنأنس به قبل أن نُجِلّه.
ورغم فقدانه لبصره، فقد كان بصيرًا بما حوله، حاضر الذهن، ثابت النبرة، وكأن في داخله نورًا يعوّض ما غاب عن عينيه.
وقد حدّثنا عن تجربته مع شركة "ميفارما"، وكيف فقد بصره في أفديرك أثناء عمله، حين كانوا يعبّئون شاحنة في ظروف رياح عاتية، فتمزقت خنشة كان يحملها، وتطاير الغبار إلى عينيه، فكانت تلك الحادثة بداية المحنة. ثم جاءت المرارة حين لم يجد من الشركة عناية توازي حجم ما فقد، فتركته لمصيره، وسرّحته من عمله.
ومع ذلك، لم يكن حديثه مغمورًا بالشكوى، بل كان مشبعًا بالصبر والرضا، وكأن المحنة لم تزدْه إلا ثباتًا وسموًّا.
ومن بين ما رواه لنا أيضًا، قصة زيارة الرئيس المختار ولد داداه، رحمه الله، لشنقيط، وكيف جعل من تلك اللحظة فرصة لتمثيل أهل مدينته، فقدم مطالبهم واحتياجاتهم قبل أن يذكر شأنه الخاص. لم يكن ذلك موقفًا عابرًا، بل تعبيرًا صادقًا عن وعيٍ يقدّم الجماعة على الفرد.
ولا تزال كلماته يوم استقبلنا عالقة في ذاكرتي، حين قال لي ولصديقي المرحوم اعل الشيخ ولد الني:
"مرحبًا بكم أنتم وابني سالم، فليس أقرب إليّ منكم… فأنا لم ترَاه عيني وأنتم كذلك، وبالتالي فأنتم سواء."
عبارة تختزل إنسانًا، وتكشف عن قلبٍ يُبصر بالعدل قبل البصر.
وهكذا، وجدتني أقرأ ما كتبه الأخ أحمد، لا بوصفه مجرد استعادة لذكرى، بل شهادة حيّة على جيلٍ كانت القيم عنده ميزانًا، وكانت المحن فيه مادةً لصناعة المعنى، لا سببًا للانكسار.
ولا غرو… فتلك شنقيط، وتلك أخلاق أهلها الأوفياء.
رحم الله دندو، وأطال عمر الوالدة مريم، وحفظ هذه الذاكرة التي تُعيد إلينا ما ينبغي ألا ننساه.


