جمال عبد الناصر في مذكرات خامنئي

7 مارس, 2026 - 20:01

 يقول خامنئي؛ بعد أسبوعين من اعتقالي في سجون الشاه، شقّ الصمتَ صوتُ أحد الحراس وهو يصرخ في الممرات:
"بُشرى، بُشرى… عبد الناصر مات!"
كانت الكلمات تُقال بنبرة احتفال، لكن وقعها في قلبي كان كالصاعقة. شعرتُ بألمٍ حاد يجتاح صدري، ولم أتمالك نفسي؛ فانفجرتُ باكيًا بكاءً مرًّا.
لم يكن اعتزازنا بجمال عبد الناصر نابعًا من انتماءٍ عقائديٍ مباشر، بل من شعورٍ نفسي عميق تكوّن في تلك السنوات القاسية. 
لقد كنا في إيران نواجه تيارًا استكباريًا عريضًا ومخيفًا، تيارًا يسعى بلا هوادة إلى إهانة الدين، والنيل من الحوزة والروحانية، وتحطيم المعنويات. وقد نجح هذا التيار – إلى حدٍ بعيد – في كسر الروح المعنوية لكثير من الشباب والمثقفين، الذين انبهروا بالقوى المتغطرسة في العالم، وارتعدوا أمام سطوتها.
في ذلك الجو المشبع بروح الهزيمة، وتحت وطأة الهجمة الغربية والأميركية، كنا نتشبث بأي صوتٍ يرتفع متحديًا تلك القوى، ويخاطبها بلغة الصمود والتحدي. وكان عبد الناصر أحد أبرز من يتكلمون بهذه النبرة. كنا نشعر بالفخر كلما سمعناه يتحدى طواغيت العالم بلا تردد، وكنا نُصغي إلى خطاباته بحماسةٍ عبر إذاعة "صوت العرب".
كنا نرفع من شأن كل حركةٍ عملية تسعى إلى التحرر من ربقة الاستعمار البغيض الذي كبّل العالم الإسلامي، بل والعالم الثالث كله. ولذلك كنا نؤيد الثورات في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، ونشعر بتعاطفٍ عميق مع كل شعبٍ ينهض مطالبًا بحريته.
أتذكر جيدًا حين بلغني خبر اندلاع الثورة في ليبيا. لم أتردد لحظة؛ فبادرت في أحد خطاباتي على المنبر إلى إعلان تأييدي لها، وهنأت الثوار على تحرير بلادهم من حكم من كنت أتعمد أن أسميه – بدلًا من "إدريس" – باسم "إبليس". وبعد ذلك، حين التقيت بالسيد هاشمي رفسنجاني، علمت أنه هو الآخر كان قد أعلن تأييده لثورة ليبيا في جلساته.
لقد كان الشوق العميق الذي يسكن قلوبنا لاستعادة العزة التي دنّسها الطواغيت، والكرامة التي داسها أذناب الاستعمار، هو الدافع الحقيقي وراء تلك المواقف.
وفوق كل ذلك، كان اسم جمال عبد الناصر قد ارتبط في أذهاننا بمعاني العزة والثبات، وبالمقاومة التي أبداها إخواننا العرب المسلمون في مواجهة القوى الصهيونية والرجعية في المنطقة. ومع ذلك، كنا نشعر بالألم من النهج السياسي الذي انتهجه عبد الناصر، والذي قاده إلى الصدام مع الإخوان المسلمين.
في تلك الأثناء، كان جهاز الدعاية التابع لنظام الشاه قد سخّر كل إمكاناته لصناعة روح عداء لعبد الناصر داخل إيران. لكن أكثر ما آلم قلبي يوم سمعت خبر وفاته لم يكن مجرد رحيله، بل الطريقة التي أعلن بها ذلك العسكري الخبر في السجن؛ إذ أبدى فرحًا صريحًا، دون أن يعرف حقيقة ما يقول، أو يدرك شيئًا عن عبد الناصر نفسه. كان مجرد إنسانٍ منوّمٍ ومسحور بدعاية نظام الشاه.
كنت أمتلك في تلك الأيام راديو صغيرًا، حصلت عليه بفضل تساهل بعض الحراس أثناء نوباتهم، وكنت أخفيه بعناية عن أعين الحراس المتشددين، لأن استخدام الراديو داخل السجن كان ممنوعًا في العادة. وبعد أن وصلني خبر وفاة عبد الناصر، صار الإستماع  لإذاعة "صوت العرب" ملاذي الأكبر للتسلية والعزاء.
وكان أكثر ما يخفف عني وطأة تلك الأيام تلاوات القرآن الكريم التي كانت تبثها الإذاعة. ما زلت أذكرها بكل تفاصيلها.
أتذكر أن كبار القراء المصريين – مثل عبد الباسط، ومصطفى إسماعيل، ومحمود علي البنّا – كانوا يتلون قوله تعالى:
«وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ».
وكان أحدهم يكرر المقطع: "قاتل معه ربيّون" مرةً بعد مرة، وكأن صدى الكلمات يتردد في أعماق الروح.
وقد حرصت يومها على أن أدون أسماء هؤلاء القراء الذين استمعت إلى تلاواتهم على ظهر المصحف الذي كان معي.
__________
من كتاب "الدم الذي صار لؤلؤًا"
ذكريات السيد علي خامنئي في سجون الشاه