
جاء المؤتمر الصحفي الذي عقده سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في نواكشوط، جواد أبو علي، ليحمل أكثر من رسالة في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية.
فالكلمة التي أُلقيت من العاصمة الموريتانية لم تكن موجهة فقط للرأي العام المحلي، بل عكست تموضع طهران داخل معادلة إقليمية دقيقة تتأرجح بين خيار التفاوض مع الولايات المتحدة والاستعداد لاحتمالات التصعيد مع "إسرائيل."
الخطاب الإيراني، كما بدا في المؤتمر، يقوم على ثنائية واضحة: تمسك بالمسار الدبلوماسي في ما يتعلق بالملف النووي، مقابل تشديد على “الحق السيادي” في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية.
هذه المقاربة تسعى إلى تثبيت صورة إيران كدولة تفاوض من موقع قوة، لا من موقع تنازل، مستندة إلى مرجعية قانونية مرتبطة باتفاقيات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإلى سردية داخلية تركز على الصمود في وجه الضغوط والعقوبات.
غير أن فهم هذه الرسائل يقتضي التوقف عند طبيعة المعادلة الإقليمية الراهنة.
فالمنطقة تعيش حالة إعادة تموضع مستمرة: تقارب حذر بين بعض دول الخليج وطهران، مقابل استمرار هواجس أمنية عميقة تتعلق بالصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي، وأمن الممرات البحرية.
دول الخليج تراقب بحذر مسار العلاقة بين طهران وواشنطن، لأن أي اتفاق قد يخفف منسوب التوتر، لكنه في الوقت ذاته قد يعيد رسم توازنات القوة داخل الإقليم.
في هذا السياق، لا يمكن إغفال دور الصين وروسيا، اللتين تمثلان ركيزتين أساسيتين في الاستراتيجية الإيرانية شرقًا.
فبكين تنظر إلى استقرار المنطقة من زاوية أمن الطاقة ومبادراتها الاقتصادية العابرة للقارات، بينما ترى موسكو في طهران شريكًا في مواجهة الضغوط الغربية وإعادة تشكيل ميزان القوى الدولي.
ومن ثمّ، فإن أي تصعيد واسع لن يكون شأناً ثنائياً بين إيران وخصومها، بل قد يتحول إلى عقدة تداخل مصالح دولية معقدة.
أما على المستوى الثنائي، فقد حرص السفير على إبراز تطور العلاقات الموريتانية الإيرانية، في إشارة إلى أن طهران لا تتحرك فقط ضمن أجندة الصراع، بل تسعى كذلك إلى توسيع حضورها الاقتصادي في إفريقيا، ومنها موريتانيا، خاصة في قطاعات الزراعة والمعادن والصيد البحري. وهذا البعد يعكس إدراكًا إيرانيًا لأهمية تنويع الشراكات خارج دوائر التوتر التقليدية.
في الأخير ، يعكس المؤتمر محاولة إيرانية للجمع بين خطاب الطمأنة والانفتاح من جهة، وإبراز الجاهزية والتمسك بالثوابت من جهة أخرى.
إنها معادلة دقيقة: تفاوض دون تراجع، وتصعيد محسوب دون انزلاق شامل. وبين هذين الخيارين، يبقى مستقبل المنطقة رهين قدرة الأطراف على إدارة خلافاتها ضمن توازن ردع مستقر، وتغليب منطق التسوية على منطق المواجهة المفتوحة.

