
هناك رجال لا تختصرهم المناصب، ولا تختصرهم المهن التي مرّوا بها، لأن سيرتهم أوسع من وظيفة، وصورتهم في ذاكرة الناس أعمق من لقب.
ومن هؤلاء السني عبداو؛ الكاتب والأديب والإعلامي والمناضل، الذي عرفه جيل كامل قبل أن يعرفه في ميدان المسؤولية، وعرف صوته قبل أن يلتقيه وجهاً لوجه.
كان ذلك في زمن كانت فيه الإذاعة أكثر من جهاز في زاوية البيت؛ كانت نافذة على العالم، ورفيقاً للوحدة، وصوتاً يأتي من بعيد ليملأ صمت الليل.
وفي ذلك الزمن كان «بيت الساهرين» موعداً له نكهته الخاصة.
كان السني عبداو يدخل إلى بيوت المستمعين بصوت جبلي دافئ، لا يعلو كثيراً، لكنه يصل بعيداً. يختار من الشعر ما يلامس الوجدان، ومن الموسيقى ما يليق بسكون الليل، فتتعانق الأنغام السودانية الشجية مع القصيدة الموريتانية، ويصبح المذياع رفيقاً لمن اختاروا السهر.
كان الليل يبدو مختلفاً حين يبدأ «بيت الساهرين»؛ قمر في السماء، ونسمة تتسلل من نافذة نصف مفتوحة، وبيت هادئ، ومذياع ينساب منه صوت مألوف، كأنه جاء ليقول للمستمع: لست وحدك في هذا الليل.
وفي الذاكرة بقيت قصائد وأغانٍ وأصوات، وبقي بينها صوت السني عبداو.
لكن اختزال الرجل في برنامجه الإذاعي سيكون ظلماً لمسيرة امتدت أبعد من الميكروفون.
فالسني عبداو كاتب وأديب ومناضل، حمل الكلمة في زمن كانت للكلمة فيه مسؤوليتها، وعرف الثقافة باعتبارها حضوراً في المجتمع، لا مجرد ترف أدبي.
ثم جاء زمن آخر.
خرج الرجل من الاستوديو إلى الشارع، ومن عالم الأثير إلى عالم الناس، وتولى مسؤولية عمدة بلدية أوجفت.
وهنا تكتمل صورة الرحلة.
فمن كان يخاطب الساهرين من وراء الميكروفون، أصبح يخاطب المواطنين من قلب المدينة؛ ومن كان يختار القصائد التي ترافق ليالي الناس، أصبح معنياً بقضاياهم اليومية، وبالطريق والخدمات والتنمية، وبما يجعل الحياة في مدينتهم أكثر أمناً وكرامة.
من «بيت الساهرين» إلى بيت الناس.
ربما تبدو المسافة بين المكانين بعيدة، لكنها في سيرة السني عبداو ليست كذلك.
فالجامع بينهما هو الإنصات.
كان ينصت إلى ذائقة المستمعين، واليوم عليه أن ينصت إلى حاجات السكان. كان قريباً من الناس بصوته، واليوم يُفترض أن يكون قريباً منهم بحضوره ومسؤوليته.
وهكذا تتغير المواقع، لكن لا ينبغي أن تتغير العلاقة بالناس.
تبقى قيمة الرجل في قدرته على أن يحمل تجربته معه، وأن يحوّل رصيد الكلمة والثقافة والنضال إلى حضور في الشأن العام، وأن يرى في المسؤولية امتداداً طبيعياً للقرب من المجتمع، لا ابتعاداً عنه.
ولعل أجمل ما في حكاية السني عبداو أن الذين عرفوه في ليالي الإذاعة ما زالوا يعرفون صوته اليوم، لكنهم يرونه في مكان مختلف.
صوت الأمس صار مسؤولاً اليوم.
وما بين الأمس واليوم، بقيت ذاكرة «بيت الساهرين» شاهدة على مرحلة من تاريخ الإذاعة الموريتانية، وبقي السني عبداو واحداً من أولئك الذين لم ينته حضورهم بانتهاء البرنامج.
فبعض الأصوات لا تغادرنا حين ينتهي البث...
بل تبدأ حكايتها الحقيقية في الذاكرة.

