صحافة المناسبات.. عندما يصبح القلم تابعًا للتطبيق البنكي/احمد الدوه

20 سبتمبر, 2026 - 07:57

ليست كل كتابة صحافة، وليس كل من حمل هاتفاً وفتح صفحة إلكترونية أصبح صحفياً.
فالصحافة مهنة لها أصولها وأخلاقها، ورسالة لها ثمنها ومسؤوليتها، وليست باباً مفتوحاً لكل من أراد أن يجعل من القلم وسيلة للارتزاق، أو من المنبر الإعلامي سلماً إلى منصب، أو طريقاً إلى مسؤول، أو واسطة إلى رجل أعمال.
لقد ابتلينا في السنوات الأخيرة بنوع جديد من الصحافة يمكن أن نطلق عليه، دون كثير من المجاملة، «صحافة المناسبات»؛ صحافة لا تظهر إلا عندما يظهر مسؤول، ولا تتحرك إلا عندما تتحرك مصلحة، ولا تكتب إلا عندما يكون هناك حفل أو زيارة أو نشاط أو مناسبة يكون وراءها ممول أو صاحب نفوذ.
وفي النسخة الأكثر وضوحاً من هذه الظاهرة، أصبحنا أمام ما يمكن تسميته «صحافة التطبيقات البنكية»؛ حيث لا يبدأ بعض «الصحفيين» بالسؤال: ما أهمية الخبر؟ وما مصلحة المواطن؟ وما الحقيقة التي ينبغي أن يعرفها الرأي العام؟ بل يبدأ السؤال من مكان آخر: كم؟ ومتى؟ وإلى أي حساب؟
وهنا لا تعود الصحافة صحافة ...بل سخافة.

فالصحفي الذي يجعل قيمة الخبر مرتبطة بما سيدخل حسابه البنكي، لا يمارس مهنة المتاعب، وإنما يمارس تجارة من نوع آخر.
لا أحد ينكر حق الصحفي في الحصول على أجره، ولا حق المؤسسة الإعلامية في تحقيق موارد تضمن استمرارها. لكن هناك فرقاً شاسعاً بين الإعلان المدفوع الذي يعرفه القارئ باعتباره إعلاناً، وبين شراء المضمون الصحفي وتحويله إلى مديح مقنّع، أو تغطية مصطنعة، أو أخبار مفصلة على مقاس صاحب المال والنفوذ.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الصحافة هو أن يصبح الخبر قابلاً للبيع والشراء، والعنوان قابلاً للتسعير، والموقف قابلاً للتحويل البنكي.
والأكثر إيلاماً أن بعض المنابر لا تتذكر المواطن إلا عندما تبحث عن المشاهدات، ولا تتذكر المسؤول إلا عندما تكون هناك مناسبة، ولا تتذكر رجل الأعمال إلا عندما تكون هناك مصلحة.
أما القضايا الحقيقية التي تؤرق الناس، فتظل خارج دائرة الضوء.
أين الماء؟
أين الكهرباء؟
أين الصحة؟
أين التعليم؟
أين الطرق؟
أين فرص الشباب؟
أين حقوق المواطن البسيط؟
تلك هي الأسئلة التي يفترض أن تشغل الصحافة، لا عدد الكراسي في منصة احتفال، ولا عدد الصور التي التقطت لمسؤول، ولا عدد عبارات المديح التي يمكن حشرها في خبر واحد.
ثم جاءت صحافة العناوين المثيرة لتزيد الطين بلة.
عنوان يقول شيئاً، ومضمون لا علاقة له به.
خبر يبدأ بـ«عاجل»، وينتهي بلا شيء.
إشاعة تتحول إلى خبر، والخبر يتحول إلى قضية رأي عام، ثم يكتشف الجميع أن مصدره صفحة مجهولة أو رسالة متداولة في تطبيق للمراسلة.
وهكذا أصبح بعضهم يطارد السبق قبل الحقيقة، مع أن السبق الحقيقي ليس أن تكون أول من ينشر الخبر، وإنما أن تكون أول من يتأكد من صحته.
فالصحافة ليست مصنعاً للإشاعات، وليست محكمة لإدانة الناس، وليست غرفة لتصفية الحسابات.
والصحفي ليس من مهمته أن يكون بوقاً للسلطة، ولا بوقاً للمعارضة، ولا بوقاً لرجل الأعمال، ولا بوقاً للقبيلة، ولا بوقاً لأي جهة تبحث عن تلميع صورتها.
وظيفته أن يكون عيناً على الحقيقة ولساناً للمجتمع.
لقد كانت الصحافة في أجيال سابقة مهنة متاعب بالفعل. كان الصحفي يكتب لأنه يؤمن بفكرة، ويدافع عن قضية، ويبحث عن الحقيقة، ويتحمل تبعات الكلمة التي يكتبها.
أما اليوم، فقد أصبح بعضهم يكتب لمن يدفع أكثر، ويمدح من يملك النفوذ، ويصمت أمام الخطأ إذا كان صاحبه قادراً على فتح باب المنفعة.
وهنا تحديداً تصبح المسألة أكبر من مجرد فساد مهني؛ إنها أزمة ثقة بين الصحافة والمجتمع.
فإذا فقد القارئ ثقته في الصحيفة، والموقع، والقناة، والصحفي، فمن سيصدق عندما تأتي لحظة الحقيقة؟
إن المهنة لا تحتاج إلى مزيد من الضجيج، وإنما تحتاج إلى إعادة الاعتبار لأخلاق الصحافة: التحقق، والمصداقية، والموضوعية، والاستقلال، واحترام الخصوصية، والابتعاد عن التشهير، والتمييز الواضح بين الخبر والإعلان والرأي.
نحن لا نحتاج إلى صحافة تصفق دائماً، كما لا نحتاج إلى صحافة تهاجم دائماً.
نحتاج إلى صحافة تقول للمسؤول: أحسنت عندما يحسن، وتسأله: لماذا أخفقت عندما يخفق، دون ابتزاز ودون تملق ودون تصفية حسابات.
وأقول هذا الكلام لأنني أحببت الصحافة منذ الصغر، وعشت معها سنوات طويلة، وكتبت في صحف ومنابر مختلفة وادرت مواقع ، وأعرف أن الكلمة قد ترفع مظلوماً، وقد تكشف خللاً، وقد تنصف إنساناً، لكنها أيضاً قد تظلم بريئاً إذا خرجت بلا تحقق.
لذلك، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين صحفي وصحفي، ولا بين منبر ومنبر.
المعركة هي بين صحافة الرسالة وصحافة المصلحة.
بين قلم يبحث عن الحقيقة، وقلم يبحث عن التحويل البنكي.
بين من يرى في الصحافة مسؤولية، ومن يراها فرصة.
وبين صحافة تحترم عقل المواطن، وصحافة تراهن على جهله.
ولأن الصحافة مرآة المجتمع، فإن المرآة إذا انكسرت لا تعود تعكس الحقيقة.
فاحفظوا للصحافة ما تبقى من هيبتها، قبل أن يصبح القلم مجرد إشعار بوصول دفعة جديدة إلى الحساب.