
كانت جنازة مهيبة، فياضة بالوقار والهيبة لظى الايرانيين ولدى ضيوفهم ولدى شعوب العالم الحر..
إلا أنها كانت جنازة حزينة، ثقيلة بالبكاء والحزن والوجع..
جنازة ملٱى بالمشاعر الانسانية والقيم الدينية والروحانيات المحتدمة.. بيد انها غارقة في الفعل السياسي..
كان الإمام وهو حي، قائدا لدولة إقليمية ناهضة من تحت الرماد، رماد هزائم العالم العربي والاسلامي، في مواجهة قوى الاستعمار والامبريالية العالمية، تتحدى فيها الهيمنة الامريكية في مدارات الشرق الاوسط..
وها هو علي الخمينئي مسجى، لكنه ميت يتحول شيئا فشيئا من قائد دولة ايران المحاصرة في قمقمها، الى زعيم أممي ينظر اليه العالم باحترام وتقدير، وهو الذي استشهد في حرب واجهت فيها دولته دولتين:
الولايات المتحدة الامريكية بقيادة دونالد ترامب ودولة اسرائيل بقيادة بنيامين نتانياهو.
كان اغتيال الخمينئي ومن معه من رفاقه، عملا عسكريا وسياسيا سريعا مفاجئا، هدفه هز أركان النظام الايراني وإرباكه، ثم اسقاطه..
في لحظة من اللحظات، حين قصفت الطائرات دار الإمام.. عم صمت رهيب جنبات مدينة طهران.. كأن الزمن قد توقف.. لكنه لم يتوقف.. انه الموت وفي الموت بعث وولادة..
خلال بضع ساعات، نهض الشعب الايراني كمن ولد من جديد في هبة عجائبية .. نهض يدافع عن ارضه في مواجهة عدوان خارجي شامل.. هدفه الاحتلال والنهب والسلب والغنيمة الاقتصادية .
هل كان يعتقد أحد في العالم بعد اغتيال الإمام وكبار القادة السياسيين والعسكريين، ان ايران بمقدورها ان تتجنب مصير فنزويلا..؟
هل كان بإمكانها ان تصمد وان تواجه أكبر ٱلة عسكرية قاتلة في العالم..؟
لقد كان الهدف من اغتيال الامام هو هدم النظام وتحطيم المعنويات وتفكيك الجغرافيا الايرانية..
لكن هذا الاغتيال تحول في سرعة مدهشة الى دفق انساني وروحي ونفسي عارم اجتاح شعبا حرا بأكمله..
لقد بعثت دماء الإمام بما هو رجل دين وقائد سياسي استثنائي، بعثت روحا خارقة في شعب ثائر وروحا في المقاتلة من الجند.. ودفعت الجماهير في طهران ومشهد واصفهان.. الى الخروج للتظاهر في الشوارع كل ليلة في تحد للطائرات الأمريكية.. ابهارا للعالم الخواف..
اليوم، تبدو الجنازة في ظاهرها التزاما شكلانيا بطقوس الدفن الاسلامية،
لكنها في المستوى العميق كانت حفلا جنائزيا يتجاوز الطقس الديني الى بناء رمزية سياسية دينية وتاريخية لصورة الزعيم ما بعد الفناء، صورة لقائد ايراني واسلامي هادئ وثائر، واجه سياسات القوة والهيمنة تلك التي تمارسها واشنطن منذ عقود..
هنا، تحولت جنازة الدفن الى حرب للرموز السياسية.. تحرك فيها وزير الخارجية الامريكي "روبيو" ومارس ضغوطا هائلة على دول العالم وخاصة دول الخليج وبلدان شمال افريقيا لمنع المشاركة في مراسم التشييع.. ومنع تغيرها الى حفل عالمي حزين يشكل الحضور فيه احتجاجا صامتا ضد السياسات الامريكية النزاعة الى القتل والتوحش..
يبدو ان الجنازة كحفل حزين غارق في الوجع والنحيب، نجحت في رسم صورة جديدة لايران ما بعد الحرب.. لقد اكتشف العالم اليوم ايران، تلك الدولة التي كانت محتجبة عن العالم منذ 47 عاما..
وكشفت الجنازة عن قوة النظام الحاكم في طهران.. تنظيم دقيق ومحكم، تتناسق فيه أدوار الموسيقى العسكرية، مع نشيج قارئ القرٱن، وتتٱلف رسوم الجدران والوانها مع هيبة المحفل حيث يسجى جثمان الشهيد وتعلو فيه عمامته السوداء تابوته الاخير .. حاملة صورته الى مخيال العالم .. كل العالم..
لقد مات علي الخمينئ جسدا، لكن روحه لم تمت، لقد صنع منه ترامب رمزا أبديا لصورة الزعيم السياسي والديني ذاك الذي يقاتل حتى الموت، ولا يستسلم ولا ينهزم ولا يخضع..تماما مثل كملحمة الحسين شهيدا ضد ظلم يزيد.. هي دماء الحسين الساكنة في مخيال كل مسلم سنيا او شيعيا..
أكتب أنا عن الإمام الشهيد علي الخمينئي.. وأنا العربي المسلم السني في شمال افريقيا..
أكتب، عن ملحمة سطرها شعب ايران في مواجهة الظلم والهيمنة و القهر..
أكتب عن جنازة ما حضرتها جسدا، لكنني حضرتها صورة تنقلها الينا وسايل الاعلام..

