أربعة مكاسب استراتيجية لإيران في اتفاق انهاء الحرب. /محمد خوجة / أستاذ جامعي

15 يونيو, 2026 - 15:19

تعدّ نهاية الحروب، في التحليل الاستراتيجي، لحظة كاشفة لا تقل أهمية عن الحرب نفسها، لأنها تمثل المجال الذي تُترجم فيه النتائج العسكرية، إلى ترتيبات سياسية وقانونية وأمنية، تعكس موازين القوة الفعلية بين الأطراف.
وفي هذا الإطار، تكتسب الحرب الامريكية الصهيونية الاخيرة على إيران أهمية خاصة، لا من حيث حجم التصعيد الذي رافقها فقط، بل من حيث طبيعة التفاهمات التي يجري التمهيد للتوقيع عليها في جنيف بين إيران والولايات المتحدة، وما يمكن أن تكشفه من حدود القوة الأمريكية–الإسرائيلية، ومن قدرة إيران على تحويل الصمود العسكري والمرونة الاستراتيجية إلى مكاسب تفاوضية ملموسة. فالاتفاق المرتقب، مهما تكن شروطه التفصيلية وصيغته النهائية، لا يمكن فصله عن نتائج الحرب وسياقاتها، ولا عن آثارها الإقليمية والدولية، ولا عن الإكراهات التي فرضتها على الطرفين، إذ إن التسويات التي تُبرم في أعقاب الحروب لا تُقرأ بوصفها أدوات لإنهاء القتال فقط، بل بوصفها أيضًا مؤشرات على الطرف الذي نجح في تحسين موقعه التفاوضي، وفي فرض جزء من أولوياته داخل هندسة ما بعد الحرب.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الاتفاق المزمع في جينيف، سيعكس عددًا من المكاسب الاستراتيجية المهمة لإيران. أول هذه المكاسب أن وقف الحرب، سيشمل الجبهة الإيرانية والجبهة اللبنانية معًا، سيكون قد كرّس مبدأ الترابط بين المسرحين، وهو ما أصرت عليه طهران في مراحل سابقة من التفاوض وفق تقارير متعددة، بما يحد من هامش المناورة الذي تمتعت به إسرائيل، في اتفاقات إقليمية سابقة حين كانت تستفيد من الفصل بين الجبهات، وتجزئة مسارات الردع والتهدئة. إن إدراج لبنان في منطق التهدئة لا يمثل مجرد تفصيل إجرائي، بل يعكس تقدمًا في فرض ما يمكن تسميته في الأدبيات الاستراتيجية بـ”وحدة المسارح الضاغطة”، أي منع الخصم من إعادة توزيع الضغط العسكري والسياسي على جبهات منفصلة.
أما المكسب الثاني، فيتمثل في احتفاظ إيران بأداة ردع حاسمة، قوامها القدرة على التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، حتى لو نص الاتفاق على إعادة فتحه الفوري أمام الشحن التجاري. فالقيمة الاستراتيجية هنا لا تكمن فقط في فتح المضيق، بل في أن إعادة الفتح جاءت بعد أن تحول المضيق إلى أداة ضغط تفاوضي مركزية، وهذا يعني أن إيران دخلت التفاوض وهي تملك ورقة ردع جيواقتصادية، تمس أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة في العالم. ومن ثم، فإن الاتفاق لا ينزع عن إيران هذه الورقة، بل يقر ضمنيًا بأن أي استقرار للملاحة في هرمز يمر عبر تفاهم معها، وهو ما يعزز مكانتها في جغرافيا الاختناق البحري، ويُبقي لديها قدرة كامنة على لجم أي محاولة أمريكية أو إسرائيلية لتجديد الهجوم في المستقبل.
ويتعزز هذا المكسب إذا كرس الاتفاق مبادئ المرور الآمن للسفن التجارية، مع احتفاظ إيران بحق منع مرور ما تعتبره مهددًا لأمنها القومي، ويتضمن ترتيبات أمنية أو تنظيمية منسقة مع سلطنة عُمان، بشأن عبور السفن وضمان أمنها وما يرتبط بذلك من أعباء وتكاليف. ففي هذه الحالة، لا تعود إيران مجرد دولة ساحلية على المضيق، بل تتحول إلى شريك فعلي في إدارة ممر بحري استراتيجي، بما يمنحها دورًا يتجاوز الردع العسكري إلى الضبط التنظيمي للملاحة، وهو ما يمثل تطورًا مهمًا في تحويل الجغرافيا إلى نفوذ مؤسسي وجيو-اقتصادي.
ويظهر المكسب الثالث في الشق الاقتصادي–السياسي للاتفاق، ولا سيما فيما يتصل برفع العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران بصورة تدريجية، إلى جانب الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمّدة، وهو ما أكدته تقارير متقاطعة تحدثت عن إعفاءات نفطية مؤقتة، ورفع تدريجي للعقوبات، وإطلاق مليارات الدولارات من الأموال المجمدة وفق مراحل مرتبطة بالتنفيذ. وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا البند في أن العقوبات منذ قيام الثورة الايرانية 1979، شكّلت إحدى الأدوات البنيوية في سياسة الاحتواء الأمريكية تجاه إيران، ومن ثم فإن التراجع عنها، ولو تدريجيًا، لا يعبّر فقط عن مرونة تفاوضية، بل عن إخفاق نسبي في استمرار سياسة الإكراه الاقتصادي بالصيغة السابقة. وفي منطق التفاوض الاستراتيجي، فإن الطرف الذي ينجح في انتزاع تخفيف للعقوبات بعد مواجهة عسكرية مباشرة، يكون قد نقل الصراع من مستوى الاحتواء الأحادي، إلى مستوى إعادة التفاوض على شروط الاحتواء نفسه.
أما المكسب الرابع، فيتصل بما قد يترتب على الاتفاق من معالجة لأضرار الحرب وإعادة الإعمار، سواء في صورة التزامات مالية مباشرة، أو في صورة أموال مفرج عنها وتسهيلات اقتصادية توظف في ترميم ما دمرته الحرب. ورغم أن المعطيات العلنية المتاحة حتى الآن، تبدو الأكثر وضوحًا فيما يخص الأصول المجمّدة والعقوبات، من مسألة التعويضات القانونية المباشرة، لكن مجرد انتقال التفاوض إلى مستوى تحمل كلفة ما بعد الحرب،تعكس تحسنًا في الموقع التفاوضي الإيراني، لأن الطرف الذي يفرض إدراج آثار الحرب ضمن بنود التسوية، يكون قد تجاوز وضعية المتلقي للضرر إلى وضعية الفاعل، الذي يحوّل الخسائر إلى عائد تفاوضي واستراتيجي.
وعليه، فإن قراءة الاتفاق المرتقب لا ينبغي أن تنحصر في بنوده الإجرائية أو التقنية، بل يجب أن تُفهم ضمن الحصيلة الأشمل للحرب.
التسوية لما بعد الحرب، مهما بدت في ظاهرها صيغة لوقف القتال وخفض التصعيد، ستعكس في جوهرها أن إيران استطاعت أن تمنع خصومها من فرض حسم استراتيجي كامل، وأن تحتفظ بأدوات ردعها الأساسية، وأن تفرض الاعتراف بدورها في أمن الممرات الحيوية، وأن تنتزع مسارًا لتخفيف العقوبات، وإعادة إدماج جزء من مواردها المالية في الدورة الاقتصادية. وبذلك، فإن الاتفاق القادم، بحكم معطيات موضوعية لن يكون مجرد نهاية للحرب، بل سيكون تعبيرًا عن مكسب استراتيجي حققته إيران في ميزان الردع، وفي هندسة التوازنات الإقليمية، وفي مسار إعادة ترتيب علاقاتها مع الولايات المتحدة الامريكية، ضمن بيئة دولية تتجه تدريجيًا نحو تعددية أكثر تعقيدًا.