
أطلقت الحكومة الموريتانية، بإشراف رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، حملة "عون" الهادفة إلى تقديم مساعدات نقدية وغذائية للأسر الهشة خلال هذه الفترة الصعبة من السنة. ولا شك أن تخفيف معاناة الفقراء ومساندة المحتاجين واجب ديني وأخلاقي ووطني،
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تمثل التوزيعات النقدية والغذائية حلاً دائماً لمشكلة الفقر، أم أنها مجرد علاج مؤقت لأعراضه؟
لا أحد ينكر أن بعض الأسر تستفيد من هذه المساعدات، لكن الواقع يؤكد أن أعداداً كبيرة من المحتاجين لا تصلها الاستفادة لأسباب متعددة، في حين قد تستفيد أسر أخرى أو أفراد لا يعيشون حالة الهشاشة نفسها.
كما أن المبالغ المالية الموزعة غالباً ما تكون محدودة جداً مقارنة بمتطلبات الأسرة اليومية، فلا تكاد تكفي لتغطية جزء يسير من احتياجاتها.
فرب الأسرة الذي يستلم مبلغاً مالياً يجد نفسه أمام قائمة طويلة من الالتزامات:
ديون متراكمة، ومصاريف الماء والكهرباء، ومتطلبات العلاج، ورسوم الدراسة، وحاجيات الغذاء والتنقل.
وهكذا يتبخر المبلغ في أيام قليلة دون أن يترك أثراً تنموياً حقيقياً في حياة الأسرة.
أما السلال الغذائية، فعلى الرغم من أهميتها في حالات الطوارئ، فإنها تظل حلاً مؤقتاً لا يعالج جذور المشكلة.
كما أن جودة بعض المواد الموزعة كانت محل انتقاد في مناسبات سابقة، الأمر الذي يطرح ضرورة الرقابة الصارمة على نوعية المواد المقدمة للمواطنين.
إن الخطر الأكبر في الاعتماد المستمر على التوزيعات يتمثل في ترسيخ ثقافة الانتظار والاعتماد على المساعدة بدل تشجيع المبادرة والعمل والإنتاج.
فالمواطن الذي يتلقى دعماً استهلاكياً متكرراً دون توفير فرصة حقيقية للكسب قد يفقد تدريجياً الثقة في قدرته على تحسين وضعه بجهده وعمله.
لذلك فإن مكافحة الفقر تحتاج إلى الانتقال من منطق الإعانة إلى منطق التمكين.
فالمليارات التي تُصرف سنوياً على التوزيعات يمكن أن يخصص جزء معتبر منها لإنشاء مشاريع إنتاجية تشاركية في الأحياء والقرى، يستفيد منها الفقراء أنفسهم ويتولون إدارتها والمحافظة عليها.
يمكن إقامة مزارع تعاونية، ومشاريع صيد وتسويق الأسماك، وورش للخياطة والحدادة والنجارة والميكانيكا والحلاقة، ومحلات تجارية تشاركية، وغيرها من الأنشطة المدرة للدخل. كما يمكن توجيه جزء من هذه الموارد إلى برامج تشغيل الشباب في حملات النظافة العامة، وصيانة المرافق العمومية، وترميم المدارس والمساجد والمراكز الصحية، وحملات التوعية المجتمعية.
إن الفرق كبير بين أن تمنح الإنسان مبلغاً يستهلكه في أيام معدودة، وبين أن تمنحه فرصة عمل أو مشروعاً يدر عليه دخلاً لسنوات طويلة. ولهذا قيل في الحكمة الصينية المشهورة: "لا تعطِ الإنسان سمكة كل يوم، بل علّمه كيف يصطاد."
إن المطلوب ليس إلغاء الدعم الاجتماعي، فهناك فئات عاجزة تستحق المساندة الدائمة، وإنما المطلوب هو جعل الدعم جسراً نحو الإنتاج والاستقلال الاقتصادي، لا أن يتحول إلى غاية في حد ذاته. فالدول لا تُبنى بثقافة الاستهلاك والانتظار، وإنما تُبنى بالعمل والإنتاج وتحمل المسؤولية.

