
إن حديث عمدة السبخة السابق، في الشريط المتداول الذي يقر فيه بإتقانه ثلاث لغات دون العربية، يطرح تساؤلات بشأن مكانة اللغة الرسمية للجمهورية في تكوين بعض المسؤولين، ومدى حضورها في مؤسسات الدولة.
فكيف يتقن مسؤول الإنجليزية والإسبانية، ولا يتقن العربية، وهو الذي تولى منصبًا انتخابيًا لخواطنين يتحدث جزء منهم بهذه اللغة؟ أليست هذه مفارقة تستحق النقاش، في بلد ينص دستوره على رسمية العربية؟
ولا يتعلق الأمر بالاعتراض على تعلم اللغات الأجنبية، بل بالتأكيد على ضرورة احترام اللغة الرسمية وعدم تهميشها، بوصفها لغة الدين والتراث العلمي والحضاري لشريحة واسعة من الموريتانيين.
ومن المهم، في هذا السياق، التذكير بأن الاهتمام بالعربية لم يقتصر على الموريتانيين الناطقين بها، بل امتد تاريخيًا إلى شرائح واسعة من إخوتنا الزنوج الموريتانيين؛ فقد حضرت العربية في تعليم بعض أبنائهم، وفي الرسائل والمراسلات المحفوظة في المكتبات، وفي مؤلفات ومكاتبات عدد من الشيوخ والعلماء والمتصوفة. وهي شواهد على أن العربية كانت، إلى جانب مكانتها الدينية، جسرًا للعلم والتواصل بين مكونات المجتمع الموريتاني.
إن احترام العربية لا يعني الانتقاص من اللغات الوطنية الأخرى، بل يقتضي صون مكانتها الدستورية، بالتوازي مع احترام التنوع اللغوي والثقافي للبلاد، وتعزيز تعليم اللغات الوطنية جميعًا.
فالقضية ليست صراعًا بين اللغات، وإنما سؤال عن مدى احترام اللغة الرسمية في تكوين المسؤولين وأداء مؤسسات الدولة، وعن قدرتنا على صيانة المشترك الوطني دون إقصاء أو انتقاص من أي مكوّن من مكونات المجتمع.

