العربية: معركة الهوية والوحدة الوطنية الدكتور /محمد المنير

22 أكتوبر, 2026 - 13:52

لقد كانت اللغة العربية، فيما مضى، لغة العلم والثقافة والمعرفة الدينية بامتياز، لكنها تعرضت، في موريتانيا كما في سائر بلدان المنطقة، لآثار الاستعمار. وهي تتعرض اليوم لمحاولات التهميش من جانب فئة من النخب الوطنية، وإن كانت أقلية، فإنها مؤثرة وفاعلة، تنظر إلى العربية باعتبارها ملكا حصريا لمكوّن اجتماعي بعينه، وأداة لإقصاء المكونات الأخرى. ومن يتبنون هذا التصور ليسوا جميعا من العرب ذوي النزعة الشوفينية، بل من بينهم أيضا أفارقة موريتانيون يرون فيها أداة للهيمنة والسيطرة. غير أن هذا التصور يغفل حقيقة تاريخية جوهرية، وهي أن أجداد مختلف مكونات شعبنا تقاسموا اللغة العربية بوصفها لغة مشتركة، في ظل هوية دينية كانت تتقدم على الهويات الأولية وتعلو عليها.

إن مكانة اللغة العربية في موريتانيا ليست موضعا للمساومة أو التشكيك، فهي محسومة دستوريا باعتبارها اللغة الرسمية للبلاد، ومحسومة واقعيا باعتبارها لغة الأغلبية الساحقة من الموريتانيين. ومن ثم، فإن إعادة طرح هذه المسألة وكأنها موضع خلاف تمثل أمرا غير مقبول، بل خروجا عن مقتضيات الدستور وحقائق المجتمع الموريتاني. فالنقاش المشروع ينبغي أن ينصب على كيفية تعزيز حضور العربية وتطوير استخدامها في الإدارة والتعليم والحياة الاقتصادية، لا على التشكيك في مكانتها أو الانتقاص من دورها.

ولا يمكن الحديث عن مكانة اللغة العربية في موريتانيا بمعزل عن الإسلام، فهي لغة القرآن الكريم، والوعاء الذي انتقل من خلاله إلى أمتنا جانب كبير من تراثها الديني والفكري والحضاري. وقد أصبحت العربية، عبر القرون، أحد أعمق الرموز الثقافية للإسلام، وعنصرا أساسيا في تشكيل هويتنا الوطنية. ولا يعني ذلك، بأي حال من الأحوال، الانتقاص من مكانة اللغات الوطنية الأخرى أو تهميشها، فهي بدورها جزء أصيل من ثراء مجتمعنا وتنوعه الثقافي. إن الدفاع عن مكانة العربية لا يتعارض مع احترام هذه اللغات وتعزيز حضورها، بل يقتضي بناء علاقة متوازنة تحفظ للعربية مكانتها الدستورية والدينية والحضارية، وتصون في الوقت ذاته الحقوق اللغوية والثقافية لسائر مكونات شعبنا.

ولا يقتصر دور الإسلام على كونه مرجعية دينية، بل يمثل إحدى أهم الروابط الجامعة بين الموريتانيين، بما يستند إليه من قيم ومبادئ مشتركة. ولا يمكن التنكر لهذه الهوية الجامعة أو تهميشها، لما ينطوي عليه ذلك من إنكار لأحد أهم الأسس التي تقوم عليها وحدتنا الوطنية. فتهميش هذا البعد الجوهري من هويتنا يفتح الباب أمام تصادم الرؤى والنزعات القومية المتنافسة، بما تحمله من مخاطر الانقسام والتناحر.

لقد كان علينا، عبر تعاقب الأجيال، أن نبني أمتنا على أساس الإسلام، باعتباره الرابطة التي توحّد أبناءها وتكرّس انتماءهم المشترك. وقد أسهم المرابطون في توحيد أجزاء واسعة من المجال الصحراوي والمغاربي، وأقاموا دولة امتد نفوذها إلى شبه الجزيرة الإيبيرية. وكانت حركتهم الإسلامية ذات جذور صنهاجية أمازيغية، ولم تقتصر آثارها على جماعة واحدة، بل امتدت إلى مجتمعات متعددة في المنطقة، وأسهمت في تشكيل تاريخها السياسي والديني والثقافي.

ومن جهة أخرى، مثّلت حركة الإمام ناصر الدين في القرن السابع عشر محاولة لإقامة مشروع سياسي ذي مرجعية إسلامية في جنوب غربي موريتانيا، وامتد أثرها إلى مناطق من وادي السنغال. ورغم تعقيد سياقها والصراعات التي ارتبطت بها، فإنها تشهد على حضور الإسلام في تشكيل الحركات السياسية والاجتماعية في المنطقة.

كما كانت مقاومة الاستعمار مشتركا وطنيا، إذ رفعت راية الإسلام في مواجهة الهيمنة الأجنبية. ومن ثم، فإن الإسلام يشكّل أحد أهم أواصر التماسك الوطني، ولا يجوز تهميشه أو التنكر لدوره باسم نزعات قومية كانت وراء كثير من الانقسامات والصراعات.

الفرنكوفونية لا تعني العداء للعربية

لقد استغرق الأمر عقودا من الاستعمار الفرنسي حتى نشأت نخب جديدة انقطعت، إلى حد بعيد، عن ثقافتها الأصلية ومرجعياتها التاريخية، وحلّت محلها مرجعيات ثقافية مستحدثة، من بينها الفرنكوفونية المعاصرة. وللأسف، لم تعد بعض هذه النخب تقيم صلة حقيقية باللغة العربية، بل تنظر إليها بوصفها لغة «رجعية» أو «أداة للإقصاء»، وتبني تصوراتها ضمن إطار فرنكوفوني يكاد يكون حصريا.

لكن الإنصاف يقتضي ألا نخلط بين التكوين باللغة الفرنسية والعداء للغة العربية. فكثير من الموريتانيين الذين تلقوا تعليمهم في المدارس الفرنسية، ولم تتح لهم فرص كافية لتعلم العربية، لا يحملون أي موقف عدائي تجاهها، ولا يرون تعارضا بين تكوينهم الفرنكوفوني ومكانتها في المجتمع. بل إن قطاعات من النخب المتعلمة بالفرنسية تبذل جهودا لتعلم العربية والتحدث بها، وتقر بحقها الطبيعي في أداء دورها الكامل في الحياة الوطنية. ولذلك، فإن تصوير الناطقين بالفرنسية جميعا باعتبارهم خصوما للعربية تعميم غير منصف. فالمشكلة ليست في تعلم اللغات الأجنبية أو إتقانها، وإنما في اتخاذها ذريعة لتهميش اللغة الرسمية أو الانتقاص من مكانتها.

ومع ذلك، فإن هذه الهوية الجامعة تتهددها اليوم منافسة فرنسية طاغية في المجال العام، ترمز إلى العصرية لدى البعض، وإلى الاستلاب لدى آخرين. وتظل اللغة الفرنسية موضع خلاف بسبب الإرث الاستعماري وصورته السلبية، فضلا عن مظاهر الإسلاموفوبيا في فرنسا.

وتتبنى هذه «الفرنسة الزاحفة» نخب استُؤصلت من ثقافتها الأصلية، وجهلت أسسها التاريخية، فأضحت تفكر في إطار فرنكوفوني، وترى العربية لغة متخلفة، متناسية أنها جزء من الميراث الجمعي لكل فئات شعبنا.

الفرنسة الزاحفة وحدودها في المجال العام

والحال أن الفرنكوفونية لا يمكن أن تشكّل هوية مشتركة في بلد لا تتجاوز نسبة الناطقين بالفرنسية فيه، وفق تقديرات المنظمة الدولية للفرنكوفونية لعام 2022، 13% من السكان، أي نحو 656 ألف شخص. وهذا التقدير، مهما كانت طريقة احتسابه وحدود تعريفه للناطقين بالفرنسية، لا يبرر جعل هذه اللغة مرجعا وحيدا في التعامل مع المواطنين.

وحتى إذا أخذنا بهذا الرقم، فإن الغالبية الساحقة من الموريتانيين لا يشملهم هذا التقدير للناطقين بالفرنسية. ومع ذلك، يجد كثير من المواطنين أنفسهم في وضع أشبه بوضع الأجانب في بلدهم، عندما يحتاجون إلى التعامل مع إدارات تصدر وثائقها بالفرنسية، أو حتى إلى طلب وجبة في بعض المطاعم، حيث تكون قوائم الطعام مكتوبة بالفرنسية.

أما الذين لا يجدون أنفسهم في الهوية العربية الإسلامية، فالأجدر بهم أن يعملوا على تثمين الهويات والثقافات الوطنية الأخرى وتعزيز مكانتها، بدلا من السعي إلى إضعاف المرجعية المشتركة. فالفرنسية والإنجليزية ينبغي أن تكونا لغتين للتواصل مع الخارج في عالم يزداد ترابطا وعولمة، لا وسيلتين لإحلال لغات أجنبية محل اللغة الرسمية في حياة المواطنين اليومية.

وفي الدول متعددة اللغات، لا يعني الاعتراف بالتنوع اللغوي بالضرورة غياب لغة مشتركة تتولى دورا مركزيا في الحياة العامة. فوجود لغة رسمية جامعة، تستخدمها مؤسسات الدولة وتتيح للمواطنين التواصل فيما بينهم، يمثل عاملا مهما في تعزيز التماسك الوطني. ولا يمكن لموريتانيا أن تستمر في هذه الازدواجية، حيث تنص الدستور على لغة رسمية واحدة، بينما تُدار قطاعات من الحياة العامة والمرافق الإدارية بلغة أخرى. إن هذه المفارقة تضعف مكانة العربية وتكرّس الفجوة بين النص الدستوري والممارسة الفعلية، ولذلك ينبغي أن تصبح العربية لغة العمل الأساسية في الإدارات والمؤسسات الوطنية.

ولا يعني ذلك أن تتحول العربية إلى أداة للإقصاء أو أن يُترك المواطنون الذين لا يتحدثونها في وضع يحرمهم من حقوقهم أو يحد من فرصهم. بل إن مسؤولية الدولة تتمثل في توفير برامج لتعليم العربية، ومرافقة لغوية عند الحاجة، وترتيبات انتقالية تضمن وصول الجميع إلى الخدمات العامة، مع حماية حقوقهم اللغوية والثقافية. فالهدف هو توحيد المجال العام وتعزيز المواطنة المتساوية، لا إنشاء حواجز جديدة بين مكونات الشعب.

ويمكن، في أقصى الأحوال، اعتماد الفرنسية أو الإنجليزية لغتي عمل إلى جانب العربية، لكن لا مبرر لمنحهما صفة اللغتين الرسميتين، فضلا عن اعتبارهما لغتين وطنيتين.

تعزيز العربية مسؤولية وطنية

إن تجسيد استقلالنا وحماية ثقافتنا الوطنية يفرضان تعزيز مكانة اللغة العربية في المجال العام وضمان استخدامها الفعلي في مؤسسات الدولة. والتجربة الجزائرية في هذا المجال يمكن أن تكون مصدر إلهام. كما أن التجربة المغربية في ترسيم اللغة الأمازيغية تبرز أهمية الاعتراف بالتنوع اللغوي الوطني وتعزيزه، مع مراعاة خصوصية السياق الموريتاني.

فالواجب البدء بإلزام الإدارات والشركات الوطنية، مثل شركة الكهرباء وشركة المياه والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وصندوق التأمين الصحي، باستخدام اللغة العربية في جميع وثائقها ومراسلاتها، ولتضف الفرنسية بعد ذلك إن هي أصرت، فهذا حد أدنى من احترام المسؤولين لمواطنيهم.

وفي القطاع الخاص، يجب على الأقل فرض حضور العربية في المطاعم ووصفات الأطباء وعلى اللوحات وواجهات المحال.

أخيرا، إننا نؤيد وجود الفرنسية والإنجليزية كلغتين أجنبيتين، لا بديلين عن العربية. فالعربية هي اللغة الرسمية للبلاد، والتشبث بها جزء من الاستقلال، وتجسيد لتملّك موروثنا الوطني.

وفي الوقت ذاته، فإن احترام التنوع الثقافي واللغوي يقتضي العمل على ترسيم اللغات الوطنية الأخرى وتعزيز حضورها في التعليم والحياة العامة، بما يضمن صونها وتطويرها ويكرّس المساواة بين جميع مكونات الشعب الموريتاني. إننا ندعو إلى مقاربة وطنية متوازنة، تثبّت مكانة العربية بوصفها اللغة الرسمية ولغة العمل الأساسية، وتمنح اللغات الوطنية الأخرى المكانة التي تستحقها، بعيدا عن الإقصاء والتهميش.

وللتذكير، اللغة العربية ليست خاصة بفئة دون غيرها من فئات الشعب الموريتاني. فهي إحدى اللغات العالمية الأكثر تداولا، يستخدمها كثير من غير العرب، وهي بهذا المعنى جزء من تراثنا المشترك وإرثنا الحضاري، ولا ينبغي، بأي حال من الأحوال، النظر إليها باعتبارها ملكا حصريا لأي مكوّن من مكونات شعبنا.