أزمة المفارقات الكبرى في هندسة الحكومات/احمد جدو ولد حني

14 أكتوبر, 2026 - 16:51

تعد الحكومات في النظم الديمقراطية والمؤسسية مرآةً حقيقية لمدى احترام الدولة لمبدأ الكفاءة وحرصها على تطبيق القاعدة الإدارية الخالدة: "الرجل المناسب في المكان المناسب". غير أن المتتبع للشأن السياسي والمؤسسي في موريتانيا يقف مراراً أمام مفارقات عجيبة تعصف بالمنطق الإداري والأكاديمي 
ولعل أحدثها وأبرزها تلك التشكيلة الحكومية التي حملت في طياتها تعيين طبيب جراح مختص في جراحة المخ والأعصاب على رأس وزارة الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي.  
​هذه التعيينات وما يماثلها من خلط مقصود أو عشوائي للأوراق تطرح تساؤلات مشروعة وعميقة حول خلفيات وأبعاد صناعة القرار السياسي وما إذا كانت تعكس فهما حقيقيا للتسيير الإداري أم أنها تكريس لمنطق المحاصصة والترضيات على حساب المصلحة العليا للوطن.
​أولاً: المفارقة التخصصية.. 
أين يتقاطع الجراح مع المحراب؟
​من منظور أكاديمي وعلمي بحت تنقسم العلوم وتتفرع لتشكل تخصصات دقيقة تتطلب عقوداً من التكوين والبحث. 

فجراحة الأعصاب علم طبي إنساني دقيق يرتكز على التشريح العصبي وغرف العمليات الدقيقة بينما قطاع الشؤون الإسلامية والتعليم الأصلي هو قطاع سيادي-عقدي يمس الهوية، والفتوى وتسيير المساجد والمحاضر وتوجيه الخطاب الديني وترسيخ الوسطية والاعتدال.

​غياب الانسجام المعرفي: 
إن إسناد وزارة دينية وعلمية بحتة لطبيب جراح – بغض النظر عن كفاءته الفردية وسمعته المهنية العالية في مجاله الطبي – يخلق فجوة معرفية هائلة فالوزير هنا يجد نفسه أمام ملفات فقهية وتعليمية وأوقاف وهي مجالات تحتاج إلى فقيه متبحر أو إداري متمرس في علوم الشريعة والإدارة العامة للأوقاف لا إلى خبير في علاج الأورام العصبية.

من السخرية الموجعة أن تفرغ المنظومة الصحية من أخصائي نادر في جراحة الأعصاب – وهو تخصص تعاني المستشفيات الوطنية شحا حادا فيه – ليتم وضعه في منصب إداري سياسي لا علاقة له بتكوينه 
مما يمثل خسارة مزدوجة: 

خسارة لقطاع الصحة الحساس وخسارة لقطاع الشؤون الإسلامية الذي يحتاج إلى تخصص نوعي يناسب تحدياته.  
​والسؤال هل معايير التعيين هي الكفاءة أم تدوير الولاءات؟
​تؤكد أدبيات الإدارة العامة الحديثة أن اختيار الوزراء يجب أن يخضع لمعايير صارمة أبرزها:
​الخبرة السابقة في نفس المجال أو قطاع مقارب.
​الرؤية الاستراتيجية وقدرة القيادة والتسيير ضمن نفس الحقل.
​ا
الانسجام بين المسار الأكاديمي والمهني للوزير وطبيعة الوزارة.
​لكن الواقع المعيش في التعيينات الأخيرة يكرس فهما سلبيا ومقلقاً لـ "هندسة الحكومات"، حيث يتحول المنصب الوزاري إلى مجردجائزة ترضية أو حلقة في سلسلة التوازنات القبلية والجهوية والمحاصصة السياسية الضيقة بعيدا عن أي اعتبار للكفاءة أو الجدارة. 

وحين تغيب المعايير العلمية والموضوعية يصبح التخبط الإداري والعشوائية هما العنوان الأبرز لأي سياسة حكومية.
​وهذه رسالة مكلومة إلى الوطن.. "لك الله يا موريتانيا"
​حين ترتفع أصوات النخب والمواطنين بحرقة قائلة: "لك الله يا موريتانيا حيث لا معيار للتعيين ولا كفاءة للمعين"، فإن ذلك لا يعبر عن تذمر عابر بل هو صرخة ألم وطنية في وجه العبث بمقدرات الدولة.
​إن استمرار هذا النهج في التعاطي مع الشأن العام يترتب عليه عواقب وخيمة، منها:

​تعطيل مسار التنمية المؤسسية. 
فالوزير الذي يقضي فترته في التعرف على أبجديات قطاع غريب عن تكوينه لن يقدم أي إضافة حقيقية سوى تسيير الأمور بالحد الأدنى (الروتين الإداري).
وإن ​فقدان الثقة الشعبيةو تراجع منسوب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة عندما يرى أن تولي المناصب لا علاقة له بالجهد أو التكوين أو النبوغ العلمي بل يأتي عبر صدف الترضيات السياسية.
​إحباط الكفاءات الحقيقية: إن ترقية أشخاص في غير تخصصاتهم بينما يهمل أصحاب الاختصاص الحقيقيون في مجالات الشريعة والإدارة والعلوم السياسية يؤدي إلى هجرة الأدمغة وشعور عام بالإحباط واليأس من أي إصلاح جاد.

​ختاما:
​إن الإصلاح الحقيقي وبناء دولة المؤسسات يبدأ حتما من احترام التخصص واعتماد الجدارة والكفاءة معيارا أوحد للتعيين في الوظائف السامية للبلاد. 
إن وطننا موريتانيا يزخر بالعلماء والخبراء والإداريين الأكفاء القادرين على النهوض بمختلف القطاعات شريطة أن يرفع الغطاء عن المحاصصة العشوائية وأن يُوضع الرجل المناسب في مكانه المناسب بحق لا بالقول.  
​لك الله يا وطني، فمتى تشرق شمس المعيارية والكفاءة على ربوع إدارتنا وحكوماتنا؟
​