
كل شيء في زماننا انحرف عن أصله ، و تحيز لغير وجهته؛ فلم يعد الناس قادرين على تمييز الحق من الباطل ، و لا التفريق بين الغث و السمين... و لا المفاضلة بين النوق و العنوق، و ليس بين أيديهم سوى الخيار بين خصلتي الضبع!
حين صرح سفير دولة فلسطين ، على نحو صارم ، بأن تبرعات القبائل الموريتانية لأهلنا المنكوبين في غزة، لم تصل مستحقيها، كتبت ، بقلب خلي، عن ضرورة قيام الدولة الموريتانية بفتح تحقيق مالي دقيق في هذا الموضوع ؛ لأنه يستحق ذلك للوقوف على الحقيقة: فإما أن يتبين كذب السفير فيطرد على كذبه، و إما يتأكد كلامه فتحاسب الدولة المتورطين في حملة جمع الأموال على احتيالهم و نصبهم على الشعب الموريتاني تحت شعار الدعوة لمساعدة إخوتهم الجياع في غزة! و في تقديري أن طلب التحقيق مبدأ ديني و أخلاقي يخدم العدالة و ينصف المظلوم! و لولا أن انهالت علي سيول من التعليقات و " التنويهات" ، منها بذاءات لفظية باتت ماركة مميزة للقوم، و منها " هراء" معتاد من "العقارب" الألكترونية المحسوبة على التيارات الإسلاموية ، مثل قولهم: ما دخلك أنت في التبرعات؟ هل شاركت في التبرعات؟ بكم تبرعت؟ ... ، لولا حملات الترهيب الإعلامي تلك، و ليس الفكري، لاكتفيت بما كتبت سابقا في الموضوع، برد الأمر إلى أولي الأمر من الدولة و من جباة التبرعات، أنفسهم، أقصد علماء و فقهاء الجماعة الذين وضع عوام الشعب ثقتهم فيهم ، فأرسلوا عبرهم أموالهم إلى إخوانهم في غزة...
فلماذا عجلت الكلبة أن تلد ذا عينين!؟ لماذا الاستعجال و النفرة إلى السوء من القول ، عوضا عن ترك توضيح الأمر من كبراء الجماعة ليقدموا للناس البيان في وقت الحاجة؟ لماذا هذه الخفة إزاء قضية، الفيصل فيها التحقيق، و ليس الشتائم و السباب؟ لماذا الانزعاج، و أكاد أقول الهلع من المطالبة بأمر( تحقيق) شرعي، ركز عليه دين الإسلام، و قانوني في شرائع أهل الأرض، خاصة بعد تصريح سفير دولة معتمد لدى دولة أخرى ذات سيادة وطنية و عليها مسؤوليات دولية؟ فلماذا الجماعة بدت في حالة حيص و بيص كأنها دُهيت بأشرس الدهر ؟! و متى كانت المطالبة بالتحقيق و التدقيق في شؤون الأمانات عموما، و الأمانات المالية خصوصا، منكرا من القول وزورا "أُهِلّ به" للصهاينة، و انتقاصا من " الأخيار- الأطهار"؟! و متى كان الناس، من صحابة النبي صلى الله عليه و سلم، مصدقين في دعاويهم؟ و متى كان شهود " ميناط: أمه و أخواته، و من نالهم حظ من سرقاته" معتمدين في ميزان شرع الله أو قوانين البشر، خاصة إذا طالتهم الشبهات أو التكذيب من قبل شخصيات ديبلوماسية ممثلة لشعب لدى شعب؟!
فما أصل هذه الهستيريا من التحقيق و الخوف من الشفافية، و متى خاف الأبرياء من تعقب آثار الجريمة؟
أنا لست دولة و لا قيما على القانون و لا أملك دليلا واحدا على خيانة الجماعة للمتبرعين، و في المقابل لا أملك دليلا واحدا و لا قرينة عملية على عصمتها، من أعلى رموزها لآخر رتبة في تنظيمها، لا في القرآن و لا في أحاديث المعصوم، و إنما أملك دليلا على أن التحقيق و الشفافية و الوقوف على الحق أحق أن يتبع!
منذ ١٤ قرنا، بعث رسول الله، أعظم مخلوق و أطهر بشر، عليه الصلاة و السلام، عامله عبد الله بن اللتبية الأزدي إلى بني سليم لجمع الزكاة عقب النزول بفرضها على المسلمين، فعاد ابن اللتبية بالأموال و بدأ يوزعها بين يدي رسول صلى الله عليه و سلم، فيقول هذه أموالكم، و هذه أموالي التي أهداها لي الناس؛ فغضب أكثر الناس حلما من هذا الكلام، و صعد المنبر ليخطب في أصحابه بأن هدايا العمال من الغلول ، أي من الخيانة بلغة عصرنا، و ختم بقولته الأزلية ،في مجال الشفافية في الأمانات، لابن اللتبية: هلا جلست في بيت أبيك و أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا! و من هذا الموقف العظيم، أقر الإسلام قاعدة الشفافية و بأن قبول العامل للهدايا هو قبول بالرشاوي المقنعة... و خيانة الأمانة!
و حين وزع أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب، ثاني خليفة بعد النبي صلى الله عليه و سلم ، و العادل بحق، أقمشة جاءته من اليمن، و ناله منها ثوبان ليستر بهما قامته الطويلة ، اعترض على خطبته إلى الناس سلمان الفارسي ، قائلا: لا طاعة و لا سمع لك علينا حتى تخبرنا من أين لك هذا الثوب الطويل؛ فما كان من الخليفة العادل، الذي لا تزعجه الشفافية و لا يخيفه التحقيق، إلا أن أمر ابنه عبد الله ليخبر المؤمنين من أين لأبيه هذا الثوب السابغ لقامته الفارعة، فقال عبد الله: أنا الذي منحت أبي نصيبي من الأقمشة ليكمل به ثوبه حتى يغطي قامته الطويلة( و القصة مشهورة و معروفة).
فهل جباة الصدقات من الإخوان لأهل غزة أعلى نزاهة من صحابة النبي صلى الله عليه و سلم ؟ و هل احتج ابن اللتبية على غضب النبي عليه الصلاة و السلام حين نبهه إلى مبدأ الشفافية؟ و هل كبراء جماعة الإخوان، و العاملين منهم على جمع الأموال من المسلمين أوفر حظا في المروءة من صحابة محمد بن عبد الله؟
تعالى أصحاب الصادق المصدوق علوا كبيرا! فالرسول يسأل أصحابه من أين لكم أموالكم، و المسلمون يسألون أميرهم، عمر بن الخطاب، من أين لك هذا الثوب الطويل، و جماعة الإخوان تجمع الأموال بالمليارات من الفقراء من القبائل الموريتانية، و إذا طلب الناس منهم التحقيق في أمر بلاغ يشكك في عفتهم في الأموال التي جمعوها، استشاطوا غضبا، و قالوا بلسان الحال و المقال من أعدل منا؟ فلماذا لم يقل أقارب ابن اللتبية للنبي صلى الله عليه و سلم: لماذا تشكك في نزاهته، و ليس في ما أخذ درهم من عندك و لا من بيت مال المسلمين في المدينة؟ و لما ذا لم يرد عبد الله بن عمر على سلمان الفارسي بما يقوله إعلام شباب الإخوان: و ما دخلك أنت، يا سلمان الفارسي، فهل شاركت في هذه الأقمشة، هل أخذ منك قميصك، حتى تتطاول على ابن الخطاب؟ على ثاني خليفة للرسول عليه الصلاة و السلام؟ على أمير المؤمنين جميعا، المشهود له بالتزكية و الاستقامة بأكمل معانيهما من رسول الله عليه الصلاة و السلام؟ أم أن كبراء جماعة الإخوان أحسن نديا من أولئكم أم لكبراء الإخوان و جباة الصدقات على القبائل براءة في زبر الأولين و قرآن سيد الأنبياء و المرسلين؟!
لقد كان الأنسب منذ البداية أن ترفض الدولة استخدام القبائل في هذه الحملة لما في ذلك من تمييع لمفهوم الدولة المميع منذ عقود، و كان الأحق ، في ميزان الإسلام، ميزان العدل، أن يكون للقائمين على التبرعات إدارة مستقلة للمحاسبة، و كان الأطهر لذمم شيوخ الدين الإبتعاد عن "، التمطرس- الاتساخ " بالمال، بأي مال، و كان الأنفع في تربية الناس عموما، و الأتباع خاصة، أن يتولى كبراء الجماعة الرد على تصريحات السفير ، فإما بالأدلة الكافية لدحض تصريحاته ، و ليس ذلك منة من الجماعة على الموريتانيين؛ بل لما في ذلك من اتباع للنهج الصحيح و خدمة لبراءتها، هي نفسها، و إما بلجم عقاربهم الألكترونية المسكونة حصرا بالبذاءات، فقد قالت العرب: عِي الصمت أحسن من عِي المنطق!
ختاما في موضوع التبرعات، أقول إن ما يحسم الجدل فيها هو الرجوع للأسلوب الصحيح: التحقيق المالي الدقيق، ففي هذا الخيار إلتزام بالوقار، و نفي للعار، الذي يبقى أبد الدهر، ما لم يقف الناس على خلافه بالأدلة، بينما تبقى المواعظ الدينية، في المساجد و الإفطارات الرمضانية، و طوفان الإساءات بالألفاظ و الترهات من التعليقات في الفضاء الافتراضي ...، مع الاتهام بسرقة أموال الناس، دون شكاية من المشككين و لا تحقيق مبين للحقيقة، أشبه بالإبرة التي تكسو الناس، و مؤخرتها عارية!
أما المطالبة بالمناظرات السياسية في مواضيع الاتهام بالخيانات المالية، فهي ضرب من شواية الرضف!

