
من أجلِّ ما تتشرف به المجتمعات عنايتُها بكتاب ربها؛ فهو مصدر هويتها، وميزان أخلاقها، ورافعةُ نهضتها الروحية والعلمية. ومن هذا المعنى السامي تتجدد اليوم مسيرة العطاء مع النسخة العاشرة من جائزة شيخ القرّاء سيدي عبد الله بن أبي بكر التواجيوي لحفظ القرآن الكريم وتجويده، بعد عقدٍ كاملٍ من العمل الدؤوب في خدمة القرآن وأهله.
لقد استطاعت هذه الجائزة، منذ انطلاقتها، أن تحجز لنفسها مكانة وازنة في المشهد الديني والثقافي الموريتاني، إذ جمعت بين أصالة المحظرة الشنقيطية وصرامة منهجها العلمي، وبين روح التنافس الإيجابي التي تحفّز الطلاب على الإتقان والتميز. فهي ليست مجرد مسابقة لقياس جودة الحفظ أو سلامة التلاوة، بل مشروع تربوي متكامل يعزز القيم الإسلامية، ويرسخ ثقافة الالتزام والاجتهاد، ويكرّم حملة كتاب الله بوصفهم حراس الهوية وورثة الرسالة.
وتأتي النسخة العاشرة بروحٍ متجددة، عبر تطوير معايير التحكيم، وتوسيع قاعدة المشاركة، والارتقاء بمستوى التنظيم وقيمة الجوائز، بما يعكس حرص القائمين عليها على استدامة هذا الصرح العلمي المبارك. وهو وفاءٌ صادق لإرث الشيخ القارئ سيدي عبد الله بن أبي بكر التواجيوي رحمه الله، الذي خلّد اسمه في سجل خدمة القرآن الكريم، تعليماً وإقراءً وتزكيةً، محافظًا على تقاليد المحاظر الشنقيطية العريقة.
كما كان لـ«جمعية ربط الجسور الخيرية» والمجلس العلمي للجائزة دورٌ ريادي في إطلاق هذه المبادرة واستمرارها، إيمانًا برسالة القرآن في بناء الإنسان وصناعة الأجيال، وإدراكًا بأن الاستثمار الحقيقي هو في حفظ كتاب الله وترسيخ معانيه في النفوس.
وفي الختام، تظل جائزة شيخ القرّاء التواجيوي منارة علمٍ وقرآن، وعنوان وفاءٍ متجدد للكتاب العزيز وأهله، ونموذجًا يُحتذى في دعم المشاريع القرآنية التي تصنع جيلًا واعيًا، متسلحًا بالعلم والإيمان، قادرًا على حمل الرسالة ومواصلة المسيرة.

