
يُعود موضوع الحوار الوطني الي واجهة الفضاء العمومي ، في ظل التباس بين مفهوم الدولة، ومشاريع تنظيمية أو فئوية تتعامل مع الحوار لا بوصفه أداة لبناء عقد وطني، بل كوسيلة لإعادة التموضع أو اقتسام النفوذ.
لا يُقاس الحوار بكونه جامعًا شكليًا أو واسع التمثيل عدديًا، بل بمدى وضوح مرجعيته الوطنية واحترامه لثوابت الدولة وسيادتها ودستورها.
فالحوار الذي لا يُبنى على الاعتراف الصريح بالدولة الوطنية، ولا يحتكم إلى منطق السياسة الجامعة، سرعان ما يتحول إلى ساحة مساومات، أو إلى منصة لتبييض مشاريع موازية، سواء كانت دينية أو عرقية أو شرائحية.
فالخطر لا يكمن فقط في التنظيمات ذات المرجعيات المغلقة، بل أيضًا في إدارة الحوار نفسها حين تتعامل مع الحوار بمنطق التمييع والتفريغ، عبر إغراقه بهيئات لا وزن وطنيًا لها، أو عبر تأجيل الحسم في القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها وحدة الشعب، والعدالة الاجتماعية، وحماية المكتسبات الدستورية، خاصة المواد المحصنة في دستور 1991.
وفي هذا السياق، فإننا لا نكتفي برفض منازعة الدولة لشرعيتها، بل نوجّه أيضًا مساءلة جدية للسلطة القائمة: فالدولة الوطنية القوية لا تُدار فقط بالأمن أو بالتوازنات الظرفية، بل ببناء ثقة سياسية حقيقية، وتوسيع دائرة المشاركة، وربط الحوار بمخرجات ملزمة، لا بتحسين الصورة أو امتصاص الضغط.
فبين يدي المهتمين بالحوار نعلن تحذيرا جديا وصرخة مدوية : لا حوار ينجح مع من يضع التنظيم أو الهوية الفرعية فوق الوطن، ولا دولة تُصان إذا تحوّل الحوار إلى غطاء لتفكيكها أو الالتفاف على دستورها. وفي المقابل، لا مشروع وطني تحرري يمكن أن يصمد دون وضوح في الأهداف، وصرامة في المرجعية، وجرأة في تسمية المخاطر.
هكذا فقط يصبح الحوار خيار دولة، لا استجابة لأزمة، ومسار بناء، لا ساحة تقاسم.

