حين يصبح القرب من المسؤول غاية/أحمد جدو حني

29 سبتمبر, 2026 - 16:07

في السياسة كما في الحياة هناك من يبحث عن موقعه بين الناس وهناك من يبحث عن موقعه إلى جانب أصحاب القرار وبين الأمرين مسافة كبيرة لأن الأول يصنعه العمل والثاني قد تصنعه صورة عابرة.
في كل مرة تحل فيها بعثة حزبية أو وفد رسمي بمدينة تتكرر مشاهد مألوفة: حشود تستقبل وشعارات ترفع وأيدٍ تتصافح ووجوه تتقدم وأخرى تحاول أن تجد لها موطئ قدم في دائرة الضوء. ويبدأ بالتوازي مع برنامج الزيارة برنامج آخر غير معلن 
من سيكون الأقرب؟ 
ومن سيظهر أكثر؟ 
ومن ستلتقطه العدسات في اللحظة المناسبة؟
لا أحد يعترض على حسن الاستقبال ولا على إكرام الضيف ولا على إظهار الحفاوة والاحترام. فذلك من جميل العادات ومن مقتضيات اللياقة. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاستقبال من تعبير عن الترحيب إلى ميدان للمنافسة على المواقع والصور والظهور.
عندها يصبح ترتيب الأشخاص في المكان أهم من مضمون اللقاء، وتصبح المسافة بين الشخص والبعثة معيارا للأهمية وكأن قيمة الإنسان تقاس بعدد الأمتار التي تفصله عن المسؤول.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل
قد تجد شخصا يحرص على أن يكون حاضرا في كل صورة لكنه لا يكون حاضرا بالقدر نفسه حين يتعلق الأمر بمشكلة مواطن أو حاجة مدينة.
وقد تجد من يعرف كيف يصل إلى الصفوف الأمامية في المناسبات لكنه لا يعرف كيف يصل إلى الصفوف الخلفية من المجتمع حيث يعيش الناس البسطاء وحيث توجد المشكلات الحقيقية التي لا تلتقطها الكاميرات.
إن القرب من المسؤول ليس إنجازا في حد ذاته كما أن الظهور في صورة جماعية ليس شهادة على العطاء.
فالناس لا يأكلون الصور ولا تعبد الطرقات بالابتسامات ولا تحل مشاكل الشباب بمجرد الوقوف خلف المسؤولين في المناسبات.
المدينة تحتاج إلى شيء آخر.
تحتاج إلى من يسمعها حين لا تكون هناك كاميرات وإلى من يحمل قضاياها حين لا يكون هناك وفد زائر وإلى من يتابع مصالح أهلها بعد انتهاء التصفيق وانفضاض الجمع.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل أبناء لعيون ليس: من كان أقرب إلى البعثة؟
بل: من كان أقرب إلى المواطن؟
ومن وقف في الصف الأول أمام الكاميرا لا ينبغي أن يهمنا كثيرا إذا لم يكن في الصف الأول حين يتعلق الأمر بخدمة الناس.
لقد آن الأوان لأن نعيد تعريف الحضور.
فالحضور الحقيقي ليس أن ترى وإنما أن يكون لك أثر.
وليس أن يعرفك المسؤول وإنما أن يعرف المواطن أنك كنت إلى جانبه.
وليس أن تجد لك مقعدا قريبا من أصحاب القرار وإنما أن يكون لك صوت مسموع عندما يتعلق الأمر بمصلحة مدينتك وأهلها.
إن لعيون لا تحتاج إلى المزيد من المنافسة على الواجهة بقدر ما تحتاج إلى تكاتف أبنائها حول ما ينفعها. تحتاج إلى أطرها ووجهائها وشبابها وشيوخها، كل من موقعه لكي تتحول الطاقات إلى عمل والأفكار إلى مشاريع والمكانة الاجتماعية إلى مسؤولية والانتماء السياسي إلى خدمة عامة.
فليتنافس أبناء لعيون ولكن في الميدان الذي ينفع الناس.
ليتنافسوا في التعليم والصحة، والبنية التحتية وتشغيل الشباب، والدفاع عن مصالح المدينة وجذب المشاريع ومتابعة شؤون المواطنين.
وليتنافسوا في المبادرة والصدق والنزاهة، وحسن الأداء.
أما التنافس على من يقف أمام الكاميرا ومن يجلس في الصف الأول ومن يظهر إلى جانب هذا المسؤول أو ذاك فذلك تنافس قصير العمر تنتهي آثاره بانتهاء المناسبة بينما تبقى المدن بما قدمه أبناؤها لها لا بما التقطوه من صور معها.
يا أبناء لعيون إن قيمة المرء ليست في المسافة التي تفصله عن المسؤول وإنما في المسافة التي يقطعها من أجل المواطن.
فكونوا قريبين من الناس قبل أن تبحثوا عن القرب من أصحاب القرار واجعلوا من مواقعكم وسيلة لخدمة مدينتكم لا وسيلة لإثبات حضوركم.
فالصفوف تتغير والوجوه تتبدل والصور تنسى أما أثر العمل الصادق فيبقى.
ولعيون تستحق أن يتنافس أبناؤها على ترك الأثر لا على احتلال المشهد.
أحمد جدو حني