إحتراق محطات صوملك: اختبار القيادة وضرورة/محمد ولد محمد عبد الله

17 سبتمبر, 2026 - 18:19

ليست الأزمات متشابهة، ولا يصح وضع الحوادث المختلفة في سياق واحد. غير أن بعض الأزمات يكشف، خلال ساعات، ما قد لا تكشفه سنوات من العمل. ومن هذا المنظور، شكل احتراق محطتي التحويل الشرقية والغربية في نواكشوط اختبارا حقيقيا لقدرة الشركة الموريتانية للكهرباء صوملك على التعامل مع صدمة مفاجئة، واحتواء تداعياتها، واستعادة الخدمة في أقصر وقت ممكن.
لم تقتصر تداعيات الحادث على الحرائق والأعطال التي أصابت محطتين حيويتين، بل امتدت مباشرة إلى السكان والمؤسسات وإلى استقرار التزويد الكهربائي للعاصمة. وقد وقعت الحادثة في وقت كانت فيه الشبكة تواجه أصلا تحديات مرتبطة بتقادم بعض مكوناتها وتزايد الضغط على قدرتها التشغيلية، الأمر الذي ضاعف حساسية آثارها على الحياة اليومية للمواطنين.
وفي مثل هذه الظروف، لا تختبر الإدارة بالبيانات وحدها، بل بقدرتها على التحرك في الميدان واتخاذ القرارات المناسبة تحت الضغط. ومن اللافت أن المدير العام للشركة الموريتانية للكهرباء، أخرمبالي لحبيب، لم يكتف بمتابعة الأزمة من المكاتب، بل ظل حاضرا إلى جانب الفرق الفنية، يتابع سير الأشغال ويقف على تفاصيلها التقنية، في وقت كان فيه العمال والفنيون يعملون في ظروف استثنائية لاستعادة الخدمة.
وقد أفادت الوكالة الموريتانية للأنباء بأن إدارة الشركة زارت الفرق الفنية في المحطة الشرقية ميدانيا، لمتابعة تقدم الأشغال وتقييم الوضع والوقوف على المراحل المتبقية. كما تمكنت الفرق، بإشراف الشركة ومتابعتها، من إعادة المحطة الغربية إلى كامل طاقتها، واستعادة جزء مهم من قدرة المحطة الشرقية، بالاستعانة بمعدات إضافية وخبرات فنية متخصصة.
وفي الأزمات الكبرى، لا تقاس القيادة بحداثة المعدات أو بسلامة الشبكة فحسب، بل أيضا بقدرة المسؤول على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، والحفاظ على تماسك فريقه، والحضور إلى جانب العاملين، ورفع معنوياتهم في لحظات الإرهاق والضغط. وقد تكون صورة المدير بين فنييه، يتابع العمل ويشاركهم ظروفه الصعبة ويسعى إلى تخفيف وطأة التعب، أكثر دلالة على القيادة من عشرات البيانات الرسمية.
مسؤولية الحاضر وتراكمات الماضي
من المهم التذكير بأن أخرمبالي لحبيب لم يتول إدارة الشركة إلا في يونيو 2025، أي قبل فترة قصيرة نسبيا من وقوع هذه الأزمة. كما أن المعدات والشبكة اللتين واجهتا الحادث كانتا قائمتين قبل توليه المسؤولية، وأن جانبا من أعطالهما وتقادم مكوناتهما يمثل تراكمات سابقة لا يمكن تحميله، بصورة مباشرة، لمسؤول تولى الإدارة حديثا.
ولا يعني ذلك إعفاء الإدارة الحالية من مسؤولية معالجة الاختلالات القائمة، بل يقتضي التمييز بين مسؤولية إصلاح بنية موروثة ومتقادمة، ومسؤولية إدارة أزمة طارئة عند وقوعها. فالإنصاف يقتضي ألا يحمل المدير مسؤولية كل ما تراكم قبل وصوله، كما يقتضي في الوقت نفسه الاعتراف بما اتخذته الإدارة من إجراءات منذ توليها المسؤولية، وتقييم نتائجها بموضوعية.
تقصير في إبراز الجهد
المفارقة أن هذا الجانب من إدارة الأزمة لم يحظ بما يستحقه من اهتمام لدى بعض الإعلاميين وأصحاب الرأي العام. فقد انصب جزء كبير من النقاش على الانقطاع وآثاره، وهو أمر مفهوم ومشروع، غير أن اهتماما محدودا خصص لكيفية إدارة الصدمة، وللعمال والفنيين الذين ظلوا في الميدان، وللإدارة التي قادت جهودهم في ظروف بالغة التعقيد.
لقد كانت الأزمة صعبة، وكانت كلفة الانقطاع ثقيلة على المواطنين، ولا ينبغي أن تحول الإشادة بسرعة الاستجابة دون المطالبة بإصلاح جذري ومستدام للشبكة. غير أن مسؤولية الإعلام والرأي العام تقتضي أيضا تقديم تقييم متوازن يحدد مواطن الخلل، ويعترف في الوقت نفسه بالجهد المبذول والنتائج التي تحققت.
ومن حق أخرمبالي لحبيب، ومن حق عمال الشركة الذين عملوا إلى جانبه، أن يقال لهم بوضوح: لقد كنتم في الميدان عندما احترقت المحطات، وعندما كان المطلوب إعادة الكهرباء إلى العاصمة في أسرع وقت ممكن.
أسئلة لا ينبغي أن تغيب
وفي المقابل، تظل أسئلة جوهرية بحاجة إلى إجابات واضحة وشفافة: ما الأسباب الفنية المباشرة التي أدت إلى احتراق المحطتين؟ وهل كانت هناك مؤشرات أو أعطال سابقة لم تعالج في الوقت المناسب؟ وهل تكشف الحادثة عن قصور في الصيانة الوقائية أو في أنظمة الحماية والسلامة؟ وإلى أي حد أسهم تقادم الشبكة والمعدات في تضخيم آثار الحريق وتعقيد عملية استعادة الخدمة؟ وما الخطة العملية والجدول الزمني لتجديد المكونات الأكثر هشاشة ومنع تكرار مثل هذه الحوادث؟
أما تقييم تجربة المدير العام في صوملك منذ تعيينه، فهو ملف أوسع من حادثة واحدة، ويستحق أن يناقش استنادا إلى الأرقام والوقائع والمشاريع ومؤشرات الأداء، لا إلى الانطباعات وحدها.
غير أن هذه الأزمة أظهرت جانبا مهما من أسلوب إدارته، وأكدت أن القيادة تتجلى بوضوح عندما تتعرض المؤسسات للصدمات، لا عندما تسير الأمور في ظروف