حين تتحول التحقيقات إلى سلاح سياسي: من يحاول ضرب حنن ولد سيدي وأحمد احمود ولد سيدي؟ /الشيخ محمد يحي عبدو

10 سبتمبر, 2026 - 10:51
الشيخ محمد يحي/اعلامي  مهتم بشؤون الساحل

في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية والاجتماعية، لم تعد بعض القضايا الأمنية تنتظر نتائج التحقيقات أو أحكام القضاء، بل أصبح البعض يسارع إلى إصدار الأحكام، وتوزيع الاتهامات، وربط الأشخاص بالملفات دون دليل معلن.

وفي خضم هذا المناخ، يبرز اسم شخصيتين تنتميان إلى أسرة ذات حضور تاريخي واجتماعي معروف في الحوض الشرقي: وزير الدفاع حنن ولد سيدي، والنائب عن مقاطعة باسكنو أحمد احمود ولد سيدي.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: من المتهم؟ فهذا شأن التحقيق والقضاء، وإنما: لماذا يحاول البعض تحويل ملف أمني ما يزال قيد التحقيق إلى منصة لضرب سمعة قيادات اجتماعية وسياسية لا تثبت بحقها، حتى الآن، أي مسؤولية عن الأفعال المنسوبة إلى آخرين؟

عندما يصبح التشهير أسرع من التحقيق

من أبسط قواعد العدالة أن التحقيق يسبق الحكم، وأن التهمة لا تصبح إدانة بمجرد نشرها على صفحة فيسبوك أو تدوينة من خارج البلاد.

لكن ما يحدث اليوم يثير القلق؛ إذ يبدو أن بعض الأصوات قد اختارت القفز فوق المؤسسات، وتقديم روايات واستنتاجات قطعية حول ملف لم تستكمل الجهات المختصة تحقيقاتها بشأنه بعد.

وهنا ينبغي أن تكون الرسالة واضحة: لا أحد فوق القانون، لكن لا أحد أيضًا يجب أن يكون تحت مقصلة التشهير قبل أن يقول القضاء كلمته.

فإذا كانت هناك شبهات أو أدلة على أشخاص بعينهم، فليأخذ التحقيق مجراه، وليتحمل كل شخص مسؤولية أفعاله أمام القانون. أما توسيع دائرة الاتهام لتشمل قيادات اجتماعية لم تثبت صلتها بالملف، فليس تحقيقًا ولا صحافة، وإنما خلط خطير بين المسؤولية الفردية والمكانة الاجتماعية.

أسرة لها تاريخ.. وليست طارئة على المشهد

ينتمي حنن ولد سيدي وأحمد احمود ولد سيدي إلى أسرة «أهل سيدي ولد هنون»، وهي أسرة ارتبط اسمها تاريخيًا بمنطقة الحوض الشرقي وبإحدى الإمارات التاريخية في المنطقة.

وهذا التاريخ ليس امتيازًا فوق القانون، ولا يمنح أحدًا حصانة من المساءلة، لكنه في المقابل يفرض على من يتناول هذه الشخصيات أن يعرف السياق الاجتماعي والتاريخي الذي تنتمي إليه، بدل اختزال مسيرتها في منشورات عابرة أو اتهامات لم تثبت.

فالمنطقة الحدودية بين موريتانيا ومالي ظلت، لعقود، تعتمد إلى جانب مؤسسات الدولة على شبكات واسعة من العلاقات بين الشيوخ والأعيان والوجهاء، وهي علاقات كان لها دور في حل النزاعات واحتواء التوترات وحماية السلم الأهلي.

ومنذ قيام الدولة الموريتانية، شاركت شخصيات وقيادات من هذه البيئات في خدمة الدولة والمساهمة في استقرار المناطق الشرقية، وفي مقدمتها الحوض الشرقي، حيث تفرض طبيعة الحدود والعلاقات الاجتماعية مع دول الجوار تحديات استثنائية.

حنن ولد سيدي.. المؤسسة قبل القبيلة

قد يختلف الناس سياسيًا مع وزير الدفاع حنن ولد سيدي، وقد ينتقدون أداءه أو قراراته، وهذا أمر طبيعي في الحياة السياسية.

لكن اختزال الرجل في انتمائه الاجتماعي أو محاولة تحميله مسؤولية أفعال أشخاص آخرين هو أمر مختلف تمامًا.

حنن ولد سيدي شخصية عسكرية قطعت مسارًا طويلًا داخل مؤسسات الدولة، وتولت مسؤوليات أمنية وعسكرية متعددة قبل وصولها إلى قيادة وزارة الدفاع.

وبالتالي، فإن تقييمه يجب أن يكون على أساس أدائه ومسؤوليته الرسمية وقراراته، لا على أساس أسماء أشخاص وردت في ملفات أمنية أو تحقيقات لم تنته نتائجها بعد.

وأحمد احمود ولد سيدي.. بين النيابة والزعامة الاجتماعية

أما النائب أحمد احمود ولد سيدي، فهو يجمع بين الصفة السياسية والحضور الاجتماعي في مقاطعة باسكنو.

والعمل النيابي لا يعني فقط الحضور داخل البرلمان، بل يرتبط في المناطق الحدودية أحيانًا بشبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية التي تجعل النائب طرفًا في جهود الوساطة وحل النزاعات والتواصل مع مختلف المكونات.

ومن الخطأ السياسي والإعلامي تحويل هذه العلاقات الاجتماعية إلى قرينة اتهام.

فمعرفة الناس ليست جريمة، والقرابة ليست تهمة، والوساطة الاجتماعية ليست شراكة في الجريمة.

سنده ولد بوعمامة.. التحقيق هو الفيصل

أما بشأن سنده ولد بوعمامة، الذي ورد اسمه في سياق ما يتم تداوله حول القضية، فإن أي معلومات عن مسؤوليته أو عدم مسؤوليته ينبغي أن تبقى مرتبطة بما ستكشف عنه التحقيقات الرسمية.

ووفق المعطيات المتداولة، فقد أقام في باسكنو منذ سنوات، واشتغل في تجارة قطع السيارات، وعُرف داخل محيطه الاجتماعي بالمشاركة في بعض أعمال الخير وخدمة المجتمع.

لكن حتى هذه المعطيات لا ينبغي أن تستخدم لإصدار حكم بالبراءة أو الإدانة.

الفيصل هو التحقيق، ثم القضاء.

وإذا ثبتت أي مسؤولية على أي شخص، فعليه أن يتحملها كاملة أمام القانون. وإذا لم تثبت، فمن الظلم أن تستمر حملات التشهير ضده أو ضد محيطه الاجتماعي.

«ولا تزر وازرة وزر أخرى»

المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول اتهام شخص إلى محاولة إدانة كل من تربطه به صلة اجتماعية أو عائلية أو جغرافية.

وهذا منطق لا يستقيم لا شرعًا ولا قانونًا ولا أخلاقًا.

قال تعالى: «ولا تزر وازرة وزر أخرى».

فلا يجوز أن يحمل وزير الدفاع مسؤولية فعل شخص لم تثبت صلته به، ولا أن يتحمل نائب برلماني مسؤولية أفعال شخص آخر لمجرد وجود معرفة أو انتماء اجتماعي مشترك.

وإذا كان من حق الدولة أن تحقق وتستجوب وتلاحق كل من تشتبه في علاقته بأي جريمة، فمن حق الأشخاص الذين لم تثبت إدانتهم أيضًا أن تصان سمعتهم من التشهير والتوظيف السياسي.

إلى أصحاب الحملات: اتركوا التحقيق يأخذ مجراه

الرسالة إلى بعض المدونين وأصحاب الصفحات الذين يسبقون التحقيقات الرسمية هي أن الدولة لديها أجهزة أمنية وقضائية، وليست بحاجة إلى محاكم إلكترونية تصدر أحكامها قبل اكتمال الأدلة.

إذا كانت لديكم معلومات موثقة، فلتقدم إلى الجهات المختصة.

أما إطلاق الاتهامات، ونشر الصور، وربط الأسماء ببعضها، وبناء روايات سياسية على أساس الشائعات، فلن يخدم الحقيقة.

بل قد يؤدي إلى إرباك التحقيق، والإضرار بأشخاص أبرياء، وزيادة الاحتقان داخل مجتمع حدودي يحتاج إلى الحكمة أكثر من أي وقت مضى.

الاختبار الحقيقي للدولة

القوة الحقيقية للدولة ليست في سرعة اتهام الناس، وإنما في قدرتها على الوصول إلى الحقيقة.

والمؤسسات الأمنية مطالبة بإكمال تحقيقاتها بعيدًا عن الضغوط السياسية والإعلامية، والنيابة مطالبة باتخاذ ما يلزم وفق القانون، والقضاء وحده هو صاحب الكلمة الفصل عندما يصل الملف إلى ساحته.

أما الإعلام، فعليه أن يمارس دوره في كشف الحقيقة لا صناعة الاتهام.

وفي النهاية، فإن حنن ولد سيدي وأحمد احمود ولد سيدي ليسا فوق النقد ولا فوق القانون، لكنهما أيضًا ليسا تحت رحمة الشائعات.

من يملك دليلًا فليقدمه.

ومن يملك معلومة موثقة فليضعها أمام الجهات المختصة.

أما تحويل قضية قيد التحقيق إلى معركة لتصفية الحسابات السياسية والاجتماعية، فذلك لا يخدم الدولة ولا العدالة ولا الحقيقة.

القضايا الأمنية تُحسم بالأدلة، والقضايا السياسية تُحسم بالمواقف، أما السمعة فلا ينبغي أن تُحسم بمنشور على فيسبوك.