
إن حملات التبرع بالدم من أنبل المبادرات الإنسانية، لأنها تمنح الحياة لمن لا يعرف المتبرع اسمه ولا لونه ولا انتماءه ولا موقفه السياسي. فالدم لا يسأل عن الحزب، ولا يميز بين موالاة ومعارضة، ولا يحمل بطاقة انتخابية؛ إنه لغة إنسانية خالصة، ورسالة تضامن تتجاوز كل الحدود.
ومع ذلك، يلاحظ أحيانًا أن بعض حملات التبرع تتحول إلى ساحة تلميع سياسي لحزب او حكومة ، فتُقرأ من زاوية الولاء والمعارضة أكثر مما تُقرأ من زاوية إنقاذ الأرواح. وهنا تضيع الفكرة الأساسية، ويتراجع الإنسان أمام الخطاب السياسي.
ليس كل إنجاز يجب أن يُلبس ثوب السياسة، كما أن ليس كل عمل إنساني يحتاج إلى تفسير سياسي.
فهناك إنجازات طبيعية تقوم بها مؤسسات الدولة،
وأخرى يحققها المجتمع المدني،
وثالثة يصنعها أفراد آمنوا بقيمة العطاء.
وهذه جميعًا ينبغي أن تُشجع وتُثمّن لأنها تخدم الإنسان أولًا،
قبل أن تخدم أي جهة أو توجه.
إن تسييس المبادرات الإنسانية يضعف قدرتها على جمع الناس حول هدف واحد، بينما الأصل فيها أن تكون مساحة يلتقي فيها الجميع دون حساسيات أو اصطفافات.
فالدم الذي يُنقذ مريضًا اليوم قد يكون غدًا سببًا في إنقاذ شخص يختلف معك في الرأي، لكنه يشترك معك في الإنسانية.
ولذلك، فإن نجاح حملة التبرع بالدم لا يُقاس بعدد الصور المنشورة ولا بحجم الجدل المصاحب لها، وإنما بعدد الأرواح التي ساهمت في إنقاذها، وعدد المرضى الذين وجدوا في أكياس الدم فرصة جديدة للحياة.
إن المجتمعات الناضجة هي التي تعرف كيف تفصل بين العمل الإنساني والخلاف السياسي، فتترك للسياسة ميادينها، وللإنسانية قدسيتها. فحين يصبح الدم مادةً للجدل، نخسر جزءًا من المعنى الذي خرج المتبرعون من أجله؛ أما حين يبقى الدم فوق السياسة، فإن الجميع يكون قد انتصر… الإنسان أولًا، والوطن دائمًا.

