23 يوليو.. جمال عبد الناصر بين ذاكرة الرمز وغياب المشروع/ابراهيم سيداتي

24 يوليو, 2026 - 15:21

في الثالث والعشرين من يوليو، لا نستحضر تاريخًا فحسب، بل نستحضر لحظةً صنعت وجدان أمة، ورجلًا تجاوز حضوره حدود وطنه ليصبح رمزًا للتحرر والكرامة والطموح العربي. 
نتذكر جمال عبد الناصر، ولكن ليس كما تذكّر ألبير كامو معلمه لويس جيرمان بعد فوزه بجائزة نوبل، حين كتب إليه ممتنًا معترفًا بأن ما بلغه من نجاح كان ثمرة الإيمان الذي زرعه فيه معلمه. أما نحن، فعلى الرغم من إيمان كثير منا بأفكار عبد الناصر وإعجابنا بمشروعه، فإننا لا نستطيع أن نزعم أننا أنجزنا الوعد أو بقينا أوفياء لما نادى به أو سائرين حتى على الطريق الذي رسمه.

لقد تحوّل الرجل، في وعينا الجمعي، إلى ذكرى أكثر منه مشروعًا، وإلى رمز نحتفي به في المناسبات أكثر من كونه منظومة قيم نسعى إلى تجسيدها في واقعنا.
نستحضر اسمه، لكننا نبتعد عن جوهر رسالته؛ نردد شعارات الحرية والوحدة والكرامة، بينما تكشف ممارساتنا اليومية عن مسافة آخذة في الاتساع بين ما نؤمن به نظريًا وما نترجمه عمليًا.
نستحضر هنا عبد الرحمن الكواكبي حين يقول  «الأمة التي لا تشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحق الحرية». فالحرية ليست شعارًا يُرفع، ولا ذكرى تُستعاد، وإنما وعيٌ ومسؤولية واستعداد دائم للدفاع عنها. وهو المعنى نفسه الذي أكده مالك بن نبي حين جعل الأفكار، لا الأشخاص، أساس النهضة، لأن الأشخاص يرحلون، أما الأفكار فإنها تبقى حية ما دامت تتحول إلى ثقافة وسلوك ومؤسسات.

ومن هنا تبدو المفارقة مؤلمة؛ فالحلم العربي الذي بشّر به جيل كامل تراجع أمام واقع تتغلب فيه الانقسامات على المشتركات، وتضعف فيه الهوية الجامعة أمام الهويات الضيقة، حتى غدا الحديث عن الوحدة أقرب إلى استدعاء الذاكرة منه إلى بناء المستقبل.

هنا في بلدي، كما في الأقطار العربية، انعكس هذا التحول بوضوح. فالذين آمنوا بالفكر الناصري لم يعودوا يجتمعون في إطار سياسي أو فكري واحد، بل توزعوا بين الموالاة والمعارضة، وبين اليمين واليسار والوسط، بل وحتى خارج الحياة السياسية. ولم يعد يجمع كثيرًا منهم سوى الإعجاب بالرجل واستحضار سيرته.
ومع مرور الوقت، تعاظم حضور القبيلة والمصلحة الخاصة على حساب الفكرة والمصلحة العامة، وتراجع الشعور بالمصير المشترك الذي كان يمثل جوهر الخطاب القومي. ولم يعد السؤال: كيف نبني مشروعًا جامعًا؟ بل كيف يحقق كل فريق مكاسبه الخاصة، ولو كان الثمن مزيدًا من التشرذم.
رحمك الله يا جمال عبد الناصر. قد يختلف الناس في تقييم تجربتك السياسية، لكن قليلين ينكرون أنك عشت من أجل فكرة، وأنك بقيت مخلصًا لها حتى آخر لحظة من حياتك. ولهذا ستظل حاضرًا في ذاكرة أمتك، لا لأنك كنت رئيسًا أو زعيمًا، بل لأنك منحت أجيالًا كاملة حلمًا كبيرًا آمنت بإمكان تحقيقه.
ويبقى السؤال الذي يفرضه الثالث والعشرون من يوليو كل عام: هل يكون الوفاء للقادة بتكرار أسمائهم واستحضار صورهم، أم بإحياء المبادئ التي ناضلوا من أجلها؟ فالتاريخ لا يخلّد الذين يحسنون استذكار الماضي، وإنما الذين يمتلكون الشجاعة لترجمة الأفكار إلى واقع حي يمشي على الأرض.