حين قرأتُ نص فاطمة… عدتُ إلى تلامذتي في أوجفت./احمد محمد حماده

15 يونيو, 2026 - 18:22
الاستاذ احمد حماده /كاتب ومحلل سياسي

قرأتُ نص الأستاذة فاطمة محمد الأمين انجيان عن معلمها، فلم أقرأ مجرد كلمات امتنان عابرة، بل قرأت شهادة نادرة تُكتب للحرف الأول وللذين يقفون في البدايات ثم يختفون بعيدًا عن الأضواء.
كان في النص شيء من الوفاء الذي أصبح قليلًا؛ وفاء لا يكتفي بتذكر المعلم، بل يعيد إليه حقه المعنوي بعد سنوات طويلة من العطاء الصامت.
أعجبني في نصها أنها لم تمدح معلمها لأنه كان سهلًا أو متساهلًا، بل لأنها اكتشفت متأخرة أنه كان يرى فيها ما لم تكن تراه في نفسها. وأن تشجيعه لها لم يكن مجاملة، بل كان بصيرة تربوية صنعت أثرًا ظل حيًا حتى بعد أن تغيرت الأماكن والوجوه.
وحين انتهيت من القراءة، وجدتني أعود دون استئذان إلى سنوات أخرى… إلى أوجفت، إلى فصول السنة السادسة ابتدائي بين 1993 و1998.
هناك أيضًا كانت وجوه صغيرة تجلس أمامي كل صباح.
وجوه جاءت من بيوت مختلفة لكنها اجتمعت على مقاعد الخشب وأحلام الطفولة.
أتساءل اليوم: أين صار أولئك التلاميذ؟
من منهم أكمل تعليمه؟
ومن منهم توقفت به الطريق؟
ومن منهم صار أبًا أو أمًا يرسل أبناءه اليوم إلى المدرسة؟
ومن منهم لا يزال يذكر معلمه القديم ولو مرة واحدة؟
أسترجع نفسي آنذاك فأبتسم…
لم أكن معلمًا متساهلًا دائمًا.
كنت أؤمن أن السنة السادسة ليست سنة عادية، بل بوابة يعبر منها الطفل إلى مرحلة أخرى، لذلك كنت أتشدد أحيانًا في الواجبات، وأعيد الشرح مرارًا، وأرفض الإهمال، وألح على القراءة، وأطلب الإلقاء بصوت مرتفع، وأعتبر الخطأ فرصة للتصحيح لا عذرًا للاستسلام.
وربما غضب مني بعضهم يومًا.
وربما ظن بعضهم أنني أقسو عليهم.
لكن الحقيقة التي يعرفها المعلمون وحدهم أن بعض الشدة ليست إلا وجهًا آخر من وجوه المحبة.
لم تكن قسوة عقاب، بل قسوة خوف عليهم من أن يهزمهم التردد أو الكسل أو ضيق الأفق.
كنا نريد أن نزرع فيهم عادة الاجتهاد قبل المعلومة، وأن نعلمهم الوقوف قبل النجاح، والمحاولة قبل التفوق.
كنا نرى في كل واحد منهم مشروع مستقبل، حتى حين لم يكن يرى هو في نفسه أكثر من طفل ينتظر نهاية الحصة.
اليوم، بعد أن قرأت نص فاطمة، أدركت أكثر أن المعلم لا يعرف أثره ساعة يشرح الدرس، بل يكتشفه بعد عقود… حين يلتقي تلميذًا، أو يقرأ نصًا، أو يسمع أن كلمة قالها ذات صباح بقيت حية في قلب أحدهم.
ولعل أجمل ما قدمته فاطمة في نصها أنها أعادت إلينا نحن المعلمين إيمانًا قد يضعف أحيانًا: أن البذور التي نغرسها لا تموت كلها… وأن بعض الأطفال الذين شددنا عليهم يومًا قد يكتبون عنا يومًا بشيء من الامتنان.
فإلى تلامذتي في أوجفت… إن كنتم تذكرون شيئًا من تلك السنوات، فاعلموا أن ما بدا لكم يومًا شدةً كان في كثير من الأحيان خوفًا عليكم، وأن المعلم — مهما أخطأ — كان يحاول أن يضعكم في المكان الذي لم يستطع هو الوصول إليه.
وإن كنتم قد نسيتم ملامحي، فأرجو فقط ألا تكونوا قد نسيتم ما حاولت أن أزرعه فيكم.