لقاء الساعات التسع.. احمد محمد حماده /كاتب و محلل سياسي

9 يونيو, 2026 - 13:47
احمد محمد حماده/كاتب محلل سياسي

لا تمر اللقاءات السياسية الطويلة عادة من دون أن ترفع سقف التوقعات. وكلما امتد الزمن داخل القاعات المغلقة، ازداد انتظار الناس لما سيخرج منها. لذلك بدا اللقاء الذي جمع الرئيس محمد ولد الغزواني بقادة أحزاب المعارضة، واستمر حتى ساعات الفجر، حدثًا سياسيًا استثنائيًا من حيث الشكل على الأقل، خصوصًا أنه جاء بعد أيام فقط من اجتماع مشابه مع قادة الأغلبية.

في الظاهر، حمل اللقاء رسالة انفتاح واضحة؛ فالسلطة اختارت الاستماع، والمعارضة حضرت وقدمت ملاحظاتها واعتراضاتها، والنقاش شمل ملفات تتراوح بين السياسة والقانون والاقتصاد. لكن في السياسة لا يكفي أن يطول الاجتماع حتى يُعد نجاحًا، إذ تبقى قيمة أي لقاء رهينة بما يتركه من أثر خارج الجدران المغلقة.

ولعل أول ما أثار الانتباه هو المفارقة بين طول الجلسة وطبيعة مخرجاتها. فتسع ساعات من النقاش حول قضايا حساسة كان من شأنها أن تخلق انطباعًا بأن شيئًا ما يتحرك، أو أن مرحلة جديدة توشك أن تبدأ. لكن ما رشح من اللقاء أوحى أكثر بوجود استعداد للاستماع أكثر من وجود استعداد لاتخاذ خطوات تغير قواعد المشهد القائم.

برز ذلك بوضوح في التعاطي مع ملف "قانون الرموز". فالإشارة إلى إمكانية مراجعة القانون مستقبلاً بدت محاولة للإبقاء على باب النقاش مفتوحًا، غير أن التمسك باستمرار تطبيقه في الوقت الراهن أعطى الانطباع بأن السلطة تفضل الحفاظ على الإطار الحالي إلى حين نضوج ظروف التغيير.

وفي موضوع لجان التحقيق البرلمانية، ظهر اتجاه يمنح الرقابة السياسية مساحة للحركة ولكن ضمن حدود مضبوطة سلفًا، سواء من خلال تقليص عدد الملفات أو ربطها بالمدة القانونية المتاحة. وهو طرح يعكس رغبة في تحقيق قدر من التوازن بين توسيع النقاش والحفاظ على التحكم في إيقاعه.
أما ملف الحوار السياسي، فكان الأكثر حضورًا بين السطور.

 إعلان الرئيس أنه لن يطلب من الأغلبية تعديل وثيقتها، ولن يضغط على المعارضة أيضًا، بدا أقرب إلى موقف الحياد الإجرائي. غير أن جزءًا من المتابعين كان ينتظر ما هو أبعد من ذلك؛ إذ إن إدارة الحوار لا تعني دائمًا الوقوف على المسافة نفسها من الجميع، بل قد تتطلب أحيانًا مبادرات تساعد على تقريب المسافات عندما تصبح الهوة واسعة.

ومن هذا المنطلق، كان يمكن للرئيس – بحكم موقعه رئيسًا لكل الموريتانيين، معارضة وموالاة – أن يذهب إلى خطوات أكثر مباشرة لتخفيف منسوب التوتر وإعادة الثقة إلى المسار السياسي. ليس عبر الانحياز لأي طرف، وإنما عبر إجراءات ملموسة تمنح الحوار مضمونًا عمليًا؛ كتحديد أفق زمني واضح، أو تقديم إشارات سياسية تساعد على تهيئة المناخ العام، أو إطلاق مبادرات تبعث رسالة مفادها أن الحوار ليس مجرد لقاءات متكررة، بل وسيلة للوصول إلى تفاهمات قابلة للحياة.

وفي جانب آخر، لم تغب الملفات المعيشية عن النقاش. فقد حضرت قضية المحروقات والإجراءات الاجتماعية، في إقرار ضمني بأن الاقتصاد أصبح اليوم أحد أهم مفاتيح الاستقرار السياسي، وأن أي حديث عن التهدئة لا يكتمل من دون مقاربة تستجيب لضغط الواقع اليومي للمواطنين.

كما أثار الحديث عن إمكانية دراسة رفع حظر التجول الانتباه، ليس فقط بسبب أثره المباشر على الحياة العامة، بل أيضًا لما قد يحمله من دلالات تتعلق بطبيعة المرحلة المقبلة واتجاهاتها.

في النهاية، لا يبدو أن اللقاء أغلق باب الخلاف، لكنه أبقاه مفتوحًا داخل المؤسسات بدل انتقاله إلى خارجها، وهذه بحد ذاتها رسالة سياسية لا تخلو من الأهمية. غير أن الحكم على هذا المسار سيظل مؤجلًا إلى أن تظهر مؤشرات ملموسة تكشف ما إذا كان الحوار قد بدأ فعلًا في إنتاج حلول، أم أنه لا يزال يؤدي وظيفة أكثر تواضعًا: إدارة الاختلاف وتأجيل لحظة الحسم.

فالاجتماعات الطويلة تصنع الانتباه، أما القرارات فهي وحدها التي تصنع الأثر.