
في كل مرحلة من مراحل التاريخ كان الظالم يحاول أن يغيّر وجه الحقيقة وأن يحول الأنظار عن الجريمة إلى الضحية وعن الجلاد إلى المجلود وما نشهده اليوم تجاه غزة ليس استثناء من هذه القاعدة القديمة.
فبدل أن يسأل من الذي دمر البيوت على رؤوس ساكنيها؟
ومن الذي قتل الأطفال والنساء والشيوخ؟
ومن الذي حاصر شعبا كاملا ومنعه من أبسط مقومات الحياة؟ نرى بعض الأصوات تنشغل بأسئلة أخرى:
من أين جاء الدعم لغزة؟
ومن هم الوسطاء الذين أوصلوا العون إليها؟
يا للعجب!
حين تتدفق الأسلحة والأموال والمساندة السياسية لإسرائيل من جهات معلومة ومعروفة لا يكاد أحد يرفع صوته بالسؤال أو الاعتراض وكأن ذلك حق طبيعي لا يحتاج إلى تفسير أما حين يتعلق الأمر بلقمة جائع في غزة أو دواء مريض أو مأوى مشرد أو دعم شعب يواجه آلة حرب لا ترحم فإن الأسئلة تتكاثر والاتهامات تتوالى والظنون تُنسج بلا دليل.
إن الذين سعوا إلى إيصال الدعم إلى غزة أفرادا كانوا أو هيئات أو وسطاء لم يكونوا تجار حروب ولا سماسرة أزمات بل كانوا - في نظر الأحرار - جسور رحمة بين القادر والمحتاج وبين الأمة وجرحها النازف.
وقد اختاروا أن يقفوا في صف الإنسان المظلوم حين اختار كثيرون الصمت أو التفرج.
إن التاريخ لا يخلد الذين برروا الظلم وإنما يخلد الذين وقفوا في وجهه.
ولا يذكر الذين حاسبوا الضحية على أنينها بل يذكر الذين مدوا لها يد العون يوم تخلى عنها الكثيرون.
وغزة اليوم ليست مجرد مدينة أو بقعة جغرافية بل رمز لصمود الإنسان حين تحاصره القوة وللكرامة حين تراد لها الهزيمة.
وكل يد امتدت إليها بالخير والدعم والإغاثة تستحق الشكر والدعاء لا التشويه والاتهام.
أما الذين يهاجمون الوسطاء والداعمين ويتركون أصل المأساة فهم كمن يرى النار تلتهم البيت ثم ينشغل بالسؤال عن مصدر الماء الذي يحاول الناس به إخماد الحريق.
سيبقى المظلوم مظلوما وإن كثرت حوله الشبهات وسيبقى الظالم ظالمًا وإن أحاط نفسه بألف رواية وتبرير.
والله سبحانه يمهل ولا يهمل ويرى دمعة اليتيم وآهة الثكلى وصبر المحاصرين ويعلم من وقف معهم ومن تخلى عنهم.
وغزة المكلومة ستبقى شاهدا على زمن انقسم فيه الناس بين من حمل هم الضحية ومن حمل هم الدفاع عن الجلاد وبين من بذل جهده لنصرة المظلوم ومن انشغل بالطعن في أيدي المنقذين.
{وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.

