
قراءة في تدوينة أختي فاطمة بنت انجيان على صفحتها في فيسبوك
هذه التدوينة ليست مجرد استعادة لذكرى عابرة، بل هي شهادة إنسانية نادرة على معنى الوفاء والصداقة التي تجاوزت حدود الزمالة والعلاقات التقليدية.
فقد نجحت فاطمة بنت انجيان في رسم صورة مؤثرة لعلاقة استثنائية جمعت بين والدها الشهيد محمد الأمين انجيان وخليله العقيد المتقاعد سالم ولد ممو، حتى بدا الرجلان وكأنهما سيرة واحدة في جسدين.
وما يلفت الانتباه في هذه القصة ليس فقط تسلسل الذكريات والمواقف الطريفة، وإنما ذلك البوح الصادق الذي خرج من قلب رجل عسكري عُرف بالصرامة والقوة، ليعترف بعد سنوات طويلة بأن رحيل صديقه ترك في نفسه فراغاً لم يملأه أحد.
وحين قال سالم: «كان أنا، وكنتُ هو»، اختصر في عبارة واحدة عقوداً من المودة والثقة والرفقة، وجسّد أسمى معاني الصداقة الإنسانية.
كما أعادت التدوينة إلى الأذهان قيمة البر بالوالدين وحفظ سيرتهم بعد الرحيل؛ فالأبناء الأوفياء لا يكتفون بالحزن على فقد آبائهم، بل يسعون إلى جمع حكاياتهم وحفظ ذكرياتهم واستنطاق رفاق دربهم، ليظل أثرهم حياً في النفوس والأجيال.
وفي زمن تتسارع فيه العلاقات وتضعف فيه أواصر الود، تأتي هذه القصة لتذكرنا بأن بعض الصداقات لا تنتهي بوفاة أحد طرفيها، بل تستمر في ذاكرة الأحياء، وتتحول إلى حنين دائم ووفاء لا تذروه السنون.
لقد نجحت الكاتبة فاطمة بنت انجيان في أن تنقل للقارئ لحظة إنسانية بالغة الصدق، امتزجت فيها الدموع بالابتسامات، والحنين بالفخر، واستحضرت من خلالها قيماً أصيلة من الوفاء والمحبة والإخلاص، وهي قيم ما أحوج مجتمعاتنا إليها اليوم.
رحم الله الشهيد محمد الأمين انجيان، وأطال عمر العقيد المتقاعد سالم ولد ممو، وحفظ للأسرة الشنقيطية الاصيلة هذا الإرث الجميل من الوفاء والمحبة الصادقة.
فمثل هذه القصص ليست مجرد ذكريات تُروى، بل دروس إنسانية عميقة في معنى الصداقة والأخوة والوفاء، وتأكيد على أن المحبة الصادقة قادرة على هزيمة الغياب، وأن الأوفياء لا يرحلون من القلوب مهما غابوا عن العيون.

