بين شرَّين… قراءة في موقف المتفرجين من صراعات المنطقة/احمد ولدالدوه الشنقيطي

5 مارس, 2026 - 21:56

قال الصحابي عمرو بن العاص رضي الله عنه: «ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، ولكنه الذي يعرف خير الشرَّين.» وهي حكمة عميقة تختصر جانبًا مهمًا من طبيعة السياسة وتعقيدات الصراعات في العالم.
ومنذ اندلاع الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، تابعتُ ما يكتبه بعض من يمكن وصفهم بـ“المؤلفة قلوبهم” في أوطاننا؛ أولئك الذين اختاروا الوقوف موقف المتفرج على ما يجري في قلب منطقتنا، مكتفين بترديد العبارة المألوفة: «اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين.»
قد يبدو هذا الموقف في ظاهره تعبيرًا عن الحياد أو حرصًا على السلام، لكنه في كثير من الأحيان يعكس نوعًا من الهروب من تعقيد الواقع. فالصراعات الكبرى لا تُفهم بمنطق الأبيض والأسود، ولا يكفي فيها الاكتفاء بالمشاهدة أو الدعاء بأن يهلك المتقاتلون بعضهم بعضًا.
إن الحكمة التي قالها عمرو بن العاص تذكرنا بأن السياسة ليست دائمًا اختيارًا بين خير وشر، بل كثيرًا ما تكون اختيارًا بين شرّين، في مواقف معقدة تتطلب وعيًا ومسؤولية في قراءة الأحداث. أما الاكتفاء بدور المتفرج، فقد يمنح صاحبه راحة مؤقتة، لكنه لا يغيّر من واقع المنطقة شيئًا، ولا يجنّب شعوبها آثار الصراعات الدائرة حولها.
فالحروب الكبرى لا تقع في فراغ، ولا تبقى نتائجها محصورة في ساحات القتال؛ بل تعيد رسم موازين القوى، وتؤثر في الأمن والاقتصاد والسياسة، بل وحتى في مستقبل الأجيال القادمة. ومن هنا فإن الاكتفاء بدور المتفرج، أو الاحتماء بدعاء يختزل المأساة في صراع بين ظالمين، قد يكون نوعًا من الاستقالة الأخلاقية قبل أن يكون موقفًا سياسيًا.
ليس المطلوب من الشعوب أن تخوض الحروب، لكن المطلوب على الأقل هو امتلاك موقف واعٍ يرفض الظلم والعدوان أيًا كان مصدره، ويعبّر عن تضامن إنساني مع ضحايا الصراعات، بدل الاكتفاء بالفرجة وانتظار النهاية.
ففي عالم اليوم، لم يعد الحياد دائمًا فضيلة، خاصة عندما يتحول إلى صمت طويل أمام نارٍ تشتعل في بيت الجيران… وقد تصل ألسنتها يومًا إلى أبوابنا.

الفيس بوك

بث مباشر