سيدي محمد اخليفة: تعقيبا على ولد منصور … خطر المحاصصة وخطاب الأدلجة المقنّع

24 فبراير, 2026 - 13:37
الاستاذ سيد محمد اخليفة /كاتب وناشط سياسي

أثار تصريح محمد جميل ولد منصور بشأن عدم جدوى استدعاء قاموس الصراع الإيديولوجي في الظرف الراهن اهتمامًا واسعًا، لما يحمله في ظاهره من دعوة إلى التهدئة وتغليب لغة العقل. غير أن الموقف السياسي لا يُقاس بسلامة العبارة فقط، بل بمدى الاتساق بين القول والممارسة، وبين الدعوة النظرية والسلوك العملي.
ذلك أن الدعوة إلى تجاوز الأدلجة تفترض التحرر من منطلقاتها في تقييم المبادرات الوطنية. غير أن مقاطعة الندوة المنظمة من طرف مراكز بحث وطنية حول الحوار المرتقب، من قبل ولد منصور إلى جانب كادجتا مالك جالو ولوگرمو، وتوجيه انتقادات متشابهة لها، عكست – في نظر متابعين – استمرار حضور الخلفية الإيديولوجية في الحكم على الفضاءات الفكرية. فقد التقت مرجعيتان مختلفتان، إحداهما محسوبة على التيار الإخواني، والأخرى على خطاب الكادحين، عند موقف واحد من الندوة، قوامه التشكيك والرفض، لا النقاش من الداخل.
هنا تبرز المفارقة: كيف ندعو إلى طيّ صفحة الصراع الإيديولوجي، ثم نتعامل مع مبادرات وطنية جامعة بمنطق الاصطفاف المسبق؟
إن تجاوز الأدلجة لا يكون بإعلان النوايا، بل بالانخراط المسؤول في كل منبر وطني يسعى إلى توسيع دائرة الحوار.
ومن زاوية أعمق، يتقاطع هذا النقاش مع مسألة أخطر تمس جوهر بناء الدولة، وهي خطر المحاصصة على أساس القبيلة أو الشريحة أو العِرق أو اللون. فالمحاصصة ليست مجرد آلية توزيع مناصب، بل فلسفة حكم حين تتحول إلى معيار دائم لإدارة الشأن العام. وعندما تُبنى على أسس هوياتية ضيقة، فإنها تعيد تعريف المواطنة ذاتها: يصبح الفرد ممثلًا لجماعته لا مواطنًا كامل الحقوق بحكم انتمائه للوطن.
إن أخطر نتائج هذا النهج تتمثل في ثلاثة مستويات رئيسية:
أولًا: تقويض مبدأ الجدارة وتكافؤ الفرص
حين تُمنح المناصب لإرضاء هذا المكوّن أو ذاك، يتراجع معيار الكفاءة، ويشعر الأكفأ بالإقصاء، كما يلاحق الشك من استفادوا من منطق الحصة، فتضعف الثقة في مؤسسات الدولة.
ثانيًا: ترسيخ الانقسام بدل تجاوزه
بدل معالجة الاختلالات بسياسات تنموية عادلة، يُعاد إنتاجها عبر تثبيت نصيب محدد لكل فئة، فتتحول السياسة إلى سباق على “الحصص” لا تنافس على البرامج والرؤى.
ثالثًا: تشجيع خطاب التأزيم والابتزاز
حين يثبت أن التصعيد الهوياتي يحقق مكاسب، يصبح الاحتقان وسيلة ضغط مشروعة، وتدخل الدولة في حلقة تنازلات لا تنتهي.
لقد أظهرت تجارب إفريقية، مثل نيجيريا، أن تكريس المحاصصة الإثنية – رغم نواياها التوازنية – قد يعمّق الانقسامات إن لم يُضبط بمعايير وطنية صارمة، كما أن مأساة رواندا في تسعينيات القرن الماضي تظل شاهدًا على خطورة تحويل الانتماءات الاجتماعية إلى وقود للصراع السياسي.
إن الدولة الحديثة لا تُنكر التنوع، لكنها لا تُدار بمنطقه. فالقبيلة أو الشريحة أو اللون معطيات اجتماعية محترمة، غير أن إدارة الدولة تقوم على الدستور والقانون والكفاءة والعدالة الاجتماعية. ويمكن معالجة التفاوت التاريخي بسياسات تستهدف الفئات أو المناطق الأكثر هشاشة وفق مؤشرات موضوعية، لا وفق حسابات رمزية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي خطاب – مهما كانت نواياه – يلامس منطق الشرائحية أو يضفي عليه مشروعية ضمنية، يظل أسيرًا لروح الصراع الإيديولوجي التي يعلن رفضها. فجوهر الأدلجة ليس في حدّة المفردات فحسب، بل في تقسيم المجال العام إلى هويات متقابلة تتنافس على النصيب.
إن الاستقرار الحقيقي لا يُشترى بالمحاصصة، بل يُبنى بثقة المواطن في عدالة النظام. وهذه الثقة لا تنمو إلا حين يشعر الجميع أن حقهم في الفرصة والترقي لا يمر عبر بوابة الانتماء الضيق، بل عبر بوابة الجدارة والمساواة أمام القانون.
وعليه، فإن الاتساق مع الدعوة إلى تجاوز الصراع الإيديولوجي يقتضي رفض كل تصور يدعم – صراحة أو ضمنًا – الأفكار القائمة على الشرائحية أو الفئوية، والانخراط في حوار وطني مفتوح لا يُقصي أحدًا ولا يُصنّف المبادرات بحسب خلفيات منظميها. فالدولة التي تُحسن إدارة تنوعها دون أن تقع أسيرة له، هي وحدها القادرة على حماية وحدتها وصون مستقبلها.

سيدي محمد ولد اخليفه