بلاغ لرئيس الجمهورية......مرة أخرى عن الحوار

18 فبراير, 2026 - 23:25

 السيد الرئيس 
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

أخاطبكم مرة أخرى في موضوع الحوار، فما كان لدي من مخاوف يزداد كل يوم ، فقد صرحت بعض الأطراف المشاركة فيه أنها تريد العودة بالبلاد لمؤتمر "ألاك" ؛ الدولة الوطنية في شكلها الحالي لا يجدون فيها أنفسهم وبقية الطيف السياسي تعرفون كيمياءه بالتفصيل سواء من يوالي وسواء من يعارض...
الذين يوالونكم والوا مَن كان قبلكم وسيوالون مَن سيأتي بعدكم والذين يعارضونكم إنما هم معارضة تنتظر أن تصبح موالاة ......الأرض تبدلت غير الأرض منذ "لابول" ولم يعد للسياسة معنى ولا للسياسيين شأن، فقد أصبح الحاكم في نظرهم هو الدولة فأصبح قِبلة الجميع لا يعف أحد عن وسيلة تقربه منه ويقول بالنهار في حقه ما يقول عكسه بالليل.....سياسيون يتكاذبون فيما بينهم وقلما يصدق أحدهم مع نفسه؛ فليس هؤلاء من يعول عليه في بناء الأوطان !!!!!

السيد الرئيس
لقد نلتم تفويضا من الشعب ، لم يشكك فيه أحد من خصومكم،  أن تقيموا العدل بين الناس وأن تحسنوا الحكامة وانتخب الشعب نوابا في اقتراع لم يطعن فيه أحد ، من هؤلاء النواب من يوالي  ومنهم من يعارض من داخل مؤسسة دستورية يقال لها مؤسسة المعارضة الوطنية ولكل طرف دائرة اختصاص محددة بمساطر قانونية واضحة...فما الذي يدعوكم لحوار لا حدود للمشاركة فيه ولا حدود لجدول  أعماله !!!!!
التشاور محمدة فأمر المسلمين  شورى بينهم لكن ما يترتب على الشورى يختلف عما يترتب على الحوار فالأول تبادل للرأي يُستأنس به والثاني اجتماع أطراف للوصول لنقطة تلاقي ولا بد من تنازلات من كل طرف ولا تكون مثل هذه الحوارات إلا لظرف  ضاغط ولنا  في تاريخنا السياسي نماذج من هذه الظروف الضاغطة:
 1- حين كان الاستعمار على الأبواب طلب الشيخ سيديا رحمة الله عليه اجتماعا على عجل مع أمراء   "لبراكنة" و"اترارزة" و"آدرار" لتدارس الموقف واتخاذ ما يلزم من إجراءات لمواجهة القادم الجديد ومعالجة انعدام الأمن المنتشر في المنطقة في تلك الأيام.
لم يكن للدولة الوطنية وجود ولكن  القوم فيهم رشداء يستشعرون المخاطر ويتهيأون لمواجهتها فكان اجتماع "تندوجه" عام 1856.
2- عام 58 تراءى للناس أن المستعمر الذي استشعرت "تندوجه" قدومه قد بدأ يستعد للرحيل فكان مؤتمر "الاك" .
كان الوعي بالدولة قائما لكن الدولة المستقلة غير موجودة ولم يكن أحد يمثل أحدا فتوجب أن يلتقي الجميع لرسم معالم التأسيس....
3- عام 1990 كانت مخرجات مؤتمر "لابول" اكراها خارجيا فرضت فرنسا بموجبها على الجميع نموذجا للحكم فصلته على مقاس مصالحها ولم تترك لأحد أن يختار....
4- حصلت حوارات أخرى من أجل "تطبيع" هزات غير دستورية بعد الإنقلاب على الرئيس معاوية و الإنقلاب على المرحوم سيدي.....كانت هزات كبيرة فمن جهة تم تحييد الرئيس ولم يعد للمؤسسات الدستورية القائمة من شرعية  ومن جهة أخرى لم يكن البلد في وارد الرجوع عن مخرجات "لابول" فكان لابد  من حوارات تتجاوز الاشكالات وتجنب البلد ماهو أخطر....
قد يكون الحوار ضرورة حين يحصل تشكيك في الانتخابات من قبل جماعات سياسية قوية فشلت في الفوز لكنها  تملك القدرة على التعطيل فيتوجب على الجميع تلافي الوضع والخروج من الأزمة....فهل تعيش بلادنا اليوم حالة واحدة من هذه الحالات  !!!!
الدولة الوطنية قائمة منذ نيف وستين عاما والسلطة  منتخبة انتخابا لم يشكك فيه ألد خصومها والظرف الإقليمي والدولي ليس ضاغطا فقد رحلت فرنسا وتهاوى نفوذها؛ فالحوار في مثل وضعنا الحالي ليس فقط أنه لا مبرر له  بل  هو مضيعة للوقت والجهد ويبعث بإشارات سلبية في اتجاهات عدة: 

-فهو تتفيه للعملية السياسية برمتها فقد أصبحت المطالبة بالحوار بُعيد كل انتخابات رياضة تعود عليها الناس تدفع بها جماعات تريد  تأسيس التشكيك في أركان الدولة وتمييع الإطار المؤسسي لها وخاصة موقع الرئاسة وتجد آذانا صاغية لدى الكثير من العناوين البارزة كل له حساب يخصه ورهانات لا تعني غيره فلم تعد للسياسة بوصلة، اليساري والإسلامي والقومي كل في طريق غير التي هي طريقه.....لقد ضاعت كل الضوابط...
-يأتي هذا الحوار في وقت تشهد فيه الساحة الوطنية  تصعيدا متعمدا مدروسا بعناية عنوانه الهجرة تارة والخطاب اللوني تارة أخرى والتجييش العرقي والمؤامرات الداخلية والكيد الخارجي وهذه الأجواء تتطلب الحزم والقوة في القرار وتفعيل القانون وغلق الأبواب أمام أي عابث فاعلا كان أو متمالئا...
-هذا الحوار سيحضره الطرف الحكومي الذي يستمد شرعيته من انتخابات حرة فاز بها وسيحضره طيف سياسي "معارض" من فريقين.....
-فريق لديه حاضنة انتخابية منحته نوابا وعمدا ومجالس بلدية وجهوية والحوار معه يكون من داخل المؤسسات الدستورية
-وفريق  يتكون من أشخاص و مجموعات رفض الشعب أن يمنحها ثقته في الاقتراعات الماضية فطفقت تطالب بالحوار وتصر عليه لتحصل منه على شرعية فشلت في استحصالها من الناخبين وتدفع بسقف هو الأعلى أن يعيد الحوار انتاج طبعة منقحة من "ألاك" 58 ودولة جديدة !!!! 
تدفع هذه الجماعة بتثوير موضوع "العبودية في المجتمع العربي" وتدفع بالمطالبة بترسيم وتدريس البولارية وتهميش اللغة العربية وتتغافل عن عبودية قدَرية في أوساطها  وتتغافل عن واقع البولارية في دول الجوار خاصة السنغال حيث يمثلون  23% من  السكان ولا يجوز لأي منهم  الحديث بها في البرلمان والحال نفسه بالنسبة للبولار في جمهورية غينيا التي يمثلون فيها ما يقارب نصف السكان...
فلا يجوز أن يكون الحوار فرصة للالتفاف على أصوات الناخبين فالتمثيل الشعبي يكون بالأصوات الناخبة لا من خلال المنصات والندوات..

السيد الرئيس 
لا يمكن أن يحصل إجماع على أي أمر والسياسة هي الحقل الأبعد عن كل إجماع والطبعة الموريتانية من السياسيين تستعصي على فهم أقوى الناس حيوية ذهنية وأكثرهم فطنه وكياسة...والديمقراطية لا تستغني عن أغلبية تحكم ومعارضة تراقب... 
نظام الحكم يشبه إلى حد كبير جسم الإنسان،  له قلب ورئتان وله دورة حياة ؛ فأما القلب فالسلطة  المنتخبة وأما الرئتان فتعني الطيف السياسي المعارض وأما دورة الحياة فالمأموريات.

السيد الرئيس 
يتركز حديث الناس اليوم على المواد المحصنة وتناوب الأشخاص على السلطة ويذهب اهتمام البعض الآخر  نحو لامركزية مائعة وزيادة الدوائر الانتخابية لكن البلد هو الذي  بحاجة اليوم لإجراءات تحصنه من كيد الكائدين الأقربين منهم والأبعدين وقد يتأتى ذلك من خلال: 

-اعتماد نظام رئاسي لمدة سبع سنوات 

النظام شبه الرئاسي أثبت فشله فقد ميع السلطة فتغولت القبيلة والعناوين الفرعية وحلت محل الدولة لأنه تحصلت على قوة التشويش والتأثير...

-تقليص عدد النواب لحدود 120 :
التمثيل النيابي كثيف جدا في موريتانيا (1 عن كل  28 ألف مواطن)  مقارنة بماهو حاصل في دول الإقليم والعالم (معدل هذه الكثافة في كل من فرنسا والمغرب والسنغال ومالي يبلغ 1 عن كل 110 ألف مواطن).
إن اعتماد هذا المعدل سيقلص عدد نواب الجمعية الوطنية إلى  44 نائبا فقط وسيوفر الاستغناء عن 132 نائبا ما يقارب 19 مليار أوقية للمأمورية الواحدة وسيقلل من حجم الضغوط على السلطة التنفيذية....
-اشتراط أن لا يترشح لمجلس النواب إلا  من هو حاصل على بكالوريا +2 فالنائب صوت المواطن ولا بد له أن يكون واعيا لمشاكل بلده وقادرا على التبليغ عنها ومتابعتها بطريقة تخدم الهدف والغاية.   
-الغاء بعض الهيآت العمومية التي لاتقدم خدمة للناس وتكلف الخزينة أموالا كبيرة (المجلس الاقتصادي والاجتماعي واللجنة الوطنية لحقوق الانسان والآلية الوطنية للوقاية من التعذيب) مما سيوفر أموالا طائلة يتم توجيهها نحو القطاعات الخدمية (7.6 مليار للمأمورية الواحدة) 

-الغاء المجالس الجهوية : 
إن المجالس الجهوية تكلف 40 مليار أوقية لكل مأمورية و لا تقدم خدمة لأحد والمجالس البلدية أكثر تواصلا مع الناس وهمومهم والأخطر في المجالس الجهوية أنها تؤسس لتغذية نفَس فيدرالي كان البعض قد عبر عنه في الجنوب وفي الشمال. 
وفقكم الله وأعانكم في تدبير شؤون البلاد والعباد.
 السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

الفيس بوك

بث مباشر