الخلاف المذهبي وتحدي وحدة الأمة: بين التاريخ والفكر والتوظيف السياسي : أحمد محمد حماده

16 فبراير, 2026 - 09:30
أحمد محمد حماده كاتب ومحلل سياسي

يشكّل الخلاف الشيعي السني أحد أكثر القضايا تعقيدًا في التاريخ الإسلامي، ليس فقط بسبب جذوره التاريخية، بل بسبب ما شهده من تحولات جعلته في كثير من المراحل أداة للصراع السياسي والتعبئة المجتمعية، بدل أن يبقى في إطاره الفكري والفقهي الطبيعي. ومع ما تعيشه الأمة الإسلامية اليوم من تحديات غير مسبوقة على المستويات السياسية والاقتصادية والحضارية، يبدو واضحًا أن استمرار تسييس الخلاف المذهبي لم يعد مجرد جدل فكري، بل أصبح عامل إضعاف بنيوي يهدد وحدة المجتمعات واستقرار الدول.
لقد نشأ الخلاف في أساسه حول مسائل تاريخية وسياسية مرتبطة بمسألة الحكم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم تطور لاحقًا إلى مدارس فقهية وكلامية متمايزة. غير أن هذا التمايز، الذي كان يمكن أن يبقى ضمن دائرة التنوع الفكري والاجتهادي المشروع، تحوّل عبر التاريخ إلى وقود لصراعات سياسية، واستُخدم في كثير من الأحيان لتبرير النزاعات وتعزيز الاستقطاب وتكريس الانقسامات داخل المجتمعات الإسلامية.
وإذا كان الاختلاف سنة كونية وقانونًا اجتماعيًا لا يمكن إلغاؤه، فإن الإشكال لا يكمن في وجود الخلاف ذاته، بل في طريقة إدارته وتوظيفه. فحين يتحول الاختلاف المذهبي إلى أداة تعبئة سياسية، أو وسيلة لتصفية الحسابات الإقليمية، أو خطاب إعلامي يغذي الكراهية ويعمق الانقسام، فإنه يفقد طابعه العلمي والديني، ويتحول إلى خطر استراتيجي على وحدة الأمة ومستقبلها.
ومن المهم التذكير بأن التاريخ الإسلامي لم يكن تاريخ صراع مذهبي دائم كما يُصوَّر أحيانًا، بل شهد مراحل طويلة من التعايش والتكامل بين مختلف المذاهب، حيث ظل الانتماء إلى الإسلام هو الإطار الجامع الذي يتسع للتعدد الفقهي والفكري. فالتجربة التاريخية للحضارة الإسلامية تكشف أن فترات القوة والازدهار ارتبطت غالبًا بقدرة المسلمين على إدارة تنوعهم المذهبي ضمن إطار الوحدة الجامعة.
فمن أبرز النماذج التاريخية الدالة على ذلك تجربة القائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي في مصر، الذي رغم إنهائه للحكم الفاطمي لم ينتهج سياسة إقصاء أو اضطهاد ضد الشيعة، بل عمل على احتوائهم ضمن النسيج المجتمعي حفاظًا على وحدة المجتمع واستقراره.
كما أن التجربة الإسلامية في عصورها الأولى تقدم نموذجًا أكثر عمقًا في فهم العلاقة بين الوحدة والتنوع، حيث كان المسلمون يُعرفون باسم "الجماعة"، وهو مفهوم يعكس وحدة الانتماء رغم اختلاف الاجتهادات والمدارس، وقد نشأت داخله مدارس فقهية متعددة دون أن يُنظر إلى ذلك باعتباره تهديدًا لوحدة الأمة.
وقد عرفت الحضارة الإسلامية عبر قرون طويلة حالة من التعايش العلمي والفكري، حيث تتلمذ علماء من مذاهب مختلفة على أيدي بعضهم بعضًا، وتجاورت المدارس الفقهية، واحتضنت الحواضر الإسلامية حوارات فكرية واسعة.
كما تقدم تجربة الأندلس نموذجًا حضاريًا فريدًا في إدارة التنوع، حيث تعايش المسلمون بمذاهبهم المختلفة مع المسيحيين واليهود في إطار حضاري واحد أسهم في ازدهار علمي وثقافي واسع. وفي بغداد خلال العصر العباسي بلغ التعايش العلمي والمذهبي مستوى متقدمًا من النضج الحضاري، وكان “بيت الحكمة” فضاءً للمعرفة المشتركة والحوار الفكري. كما قدمت التجربة العثمانية مثالًا على إدارة التعدد داخل الدولة الإسلامية ضمن إطار سياسي حافظ على الاستقرار الاجتماعي.
وتكشف هذه النماذج التاريخية أن الحضارة الإسلامية لم تُبنَ على إقصاء الاختلاف، بل على تنظيمه واحتوائه.
وإذا انتقلنا إلى المستوى الفكري، فإن التراث الإسلامي نفسه يقدم أدوات عميقة لفهم مخاطر الانقسام؛ فقد بيّن ابن خلدون أن قوة الدول تقوم على التضامن الاجتماعي، بينما أكد الشاطبي أن حفظ الجماعة والاستقرار من مقاصد الشريعة. واعتبر مالك بن نبي أن قابلية المجتمعات للهيمنة الخارجية ترتبط بحالة الانقسام الداخلي واستنزاف الطاقات في صراعات هامشية.
كما شدّد الغزالي على خطورة التعصب والتكفير، وأكد ابن تيمية أن الاختلاف الاجتهادي لا ينبغي أن يكون سببًا للفرقة، ودعا محمد عبده إلى تجاوز الجمود المذهبي، بينما أبرز الطاهر بن عاشور أن حفظ نظام الأمة ووحدتها من المقاصد العليا للشريعة. وتلتقي هذه الرؤى على أن وحدة المجتمع شرط حضاري لقيام العمران وتحقيق النهضة.
إن الواقع المعاصر يكشف بوضوح حجم الانعكاسات السلبية لتسييس الخلاف المذهبي، حيث أدى إلى تفكك النسيج الاجتماعي في عدد من البلدان، وأضعف مؤسسات الدولة، وفتح المجال أمام التدخلات الخارجية، وبدّد طاقات الأمة في صراعات داخلية بدل توجيهها نحو التنمية والتقدم.
وفي السياق السياسي الدولي الراهن، تتجلى خطورة تسييس الخلاف المذهبي بصورة أوضح مع تصاعد التوترات الإقليمية والتهديدات الخارجية التي تستهدف بعض دول العالم الإسلامي، ومن بينها التهديدات الأمريكية المتكررة للجمهورية الإسلامية الإيرانية. فبغض النظر عن طبيعة الخلافات السياسية أو المذهبية القائمة، فإن استهداف أي مكون أساسي من مكونات العالم الإسلامي ينعكس بالضرورة على مجمل توازناته واستقراره.
وفي هذا الإطار، يفرض المنظور الديني والأخلاقي والحضاري موقفًا يتجاوز الحسابات المذهبية الضيقة، يقوم على رفض أي اعتداء خارجي يستهدف أي بلد من بلدان العالم الإسلامي، ومن ذلك ما قد تتعرض له الجمهورية الإسلامية الإيرانية من تهديدات أو ضغوط أو اعتداءات عسكرية. فمبدأ التضامن بين المسلمين لا يقوم على التطابق السياسي أو الاتفاق الكامل في الرؤى، بل على وحدة الانتماء والمصير المشترك.
إن الواجب الديني والأخلاقي يقتضي رفض الظلم والعدوان أياً كان مصدره، والوقوف ضد استهداف الشعوب والدول الإسلامية لما يمثله ذلك من مساس بكيان الأمة واستقرارها. ولا يعني هذا تبني المواقف السياسية أو تأييد السياسات الداخلية، بل يعكس التزامًا بمبدأ العدالة ورفض الهيمنة، وإدراكًا أن أمن الأمة كلٌّ لا يتجزأ، وأن إضعاف أي جزء من جسدها ينعكس على مجمل قوتها وتوازنها.
ومن هذا المنطلق، فإن التضامن في مواجهة العدوان الخارجي يمثل تعبيرًا عن الوعي بوحدة المصير الحضاري، وعن إدراك أن الخلافات السياسية والمذهبية يجب أن تُدار بالحوار داخل الإطار الإسلامي، لا أن تتحول إلى مبرر لتأييد التدخل الخارجي أو الصمت عنه.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري للنخب الفكرية والدينية والإعلامية في كلا المذهبين، إذ تمتلك هذه النخب القدرة على تهدئة الخطاب أو تأجيجه، وعلى بناء الجسور أو تعميق الانقسام. كما يتحمل الإعلام مسؤولية خاصة في تشكيل الوعي الجمعي، إما بتغذية الاستقطاب أو بتعزيز ثقافة الحوار والتقارب.
ومن المفارقات اللافتة أن الإسلام في جوهر رسالته يقوم على مبدأ السعة والاحتواء، فقد قدّم نموذجًا حضاريًا تعايش فيه المسلمون مع أتباع الديانات الأخرى وأقرّ لهم حقوقهم، فإذا كان الإسلام يسع غير المسلمين فمن باب أولى أن يكون مظلة جامعة للمسلمين.
إن الحاجة اليوم لم تعد مجرد دعوة أخلاقية للتقارب، بل ضرورة استراتيجية تفرضها تحديات الواقع وتحولات النظام الدولي. فالأمة التي تستنزف نفسها في صراعات داخلية لا تستطيع بناء مشروع حضاري ولا حماية استقلالها.
إن تجاوز تسييس الخلاف المذهبي لا يعني إلغاء الاختلاف، بل إدارة التنوع ضمن إطار الوحدة وتحويله إلى مصدر ثراء حضاري. ويبقى الرهان الحقيقي على وعي المجتمعات وقدرة نخبها على إدراك أن مستقبل الأمة لا يمكن أن يُبنى على الانقسام، وأن الإسلام قادر — اليوم كما كان عبر التاريخ — على أن يكون الإطار الجامع لكل المسلمين متى تحرر الخطاب من منطق الصراع وعاد إلى روح الرسالة القائمة على الرحمة والوحدة والتكامل.