قضية العبودية بين الحقائق التاريخية والمزايدات السياسية/احمد ولد الدوه

16 فبراير, 2026 - 15:43
احمد ولدالدوه/اعلامي

تُعدّ قضية العبودية من أكثر القضايا حساسية في المجتمعات التي عرفت هذا النظام عبر مراحل تاريخية متباينة، حيث تتداخل فيها الأبعاد الأخلاقية والدينية والاجتماعية والقانونية. وفي السياق الموريتاني، ظلّ هذا الملف حاضرًا في النقاش العمومي، بين من يركز على معالجة آثاره التاريخية بآليات قانونية وتنموية، ومن يوظفه في سجالات سياسية وإعلامية تتجاوز أحيانًا حدود المعالجة الموضوعية.
من الناحية التاريخية، لا يمكن إنكار أن أنظمة الرق كانت موجودة في أجزاء واسعة من العالم، بما في ذلك المنطقة المغاربية والإفريقية، شأنها شأن حضارات أخرى في أوروبا وآسيا والأمريكيتين. غير أن التطورات الفكرية والدينية والحقوقية، إضافة إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية، أسهمت تدريجيًا في إنهاء هذه الممارسات وتجريمها قانونيًا.
وفي موريتانيا، تم إلغاء الرق قانونيًا منذ عقود، قبل أن يتم تجريمه بنصوص أكثر صرامة في مراحل لاحقة، مع إنشاء محاكم مختصة وتعزيز الترسانة القانونية لمحاربة العبودية والاتجار بالأشخاص. كما رافقت ذلك سياسات اجتماعية تستهدف الفئات الهشة، في إطار مقاربة تسعى إلى معالجة الاختلالات البنيوية المرتبطة بالفقر والتهميش.
غير أن النقاش حول العبودية لا يخلو من توتر، إذ يرى بعض الفاعلين أن آثارها الاجتماعية لا تزال قائمة بأشكال غير مباشرة، بينما يعتبر آخرون أن تضخيم بعض الحالات أو توظيفها سياسيًا يسيء إلى الجهود المبذولة ويؤثر سلبًا على صورة البلاد ومؤسساتها.
التحدي الحقيقي يكمن في التمييز بين النضال الحقوقي الجاد القائم على التوثيق والأدلة، وبين المزايدات التي قد تُفرغ القضية من بعدها الإنساني وتحوّلها إلى أداة للصراع السياسي. فالمعالجة الرصينة تتطلب احترام القانون، وضمان قرينة البراءة، والابتعاد عن التعميم أو الاستغلال الإعلامي.
إن تجاوز آثار العبودية لا يتحقق فقط عبر النصوص القانونية، بل من خلال ترسيخ قيم المواطنة المتساوية، وتعزيز التعليم، ومحاربة الفقر، وفتح آفاق الاندماج الاقتصادي والاجتماعي أمام جميع الفئات. وفي المقابل، يبقى الالتزام بالموضوعية والصدق في طرح هذا الملف ضرورة أخلاقية وقانونية، حمايةً لحقوق الأفراد وصونًا لوحدة المجتمع.