
احتضن فندق ساترون في نواكشوط، اليوم الثلاثاء 17 فبراير 2026، ندوة فكرية نظمتها أربعة مكاتب ومراكز دراسات هي: مركز بوبكر بن عامر، والمركز المغاربي، ومركز خير الدين حسيب، ومركز ديلول، وذلك تحت عنوان: “التطلعات والمحذورات”.
وترأس الندوة محمد محمود ولد بكار، الذي ألقى كلمة افتتاحية أكد فيها أهمية الحوار الوطني المرتقب باعتباره فرصة مفصلية لإعادة بناء التوافق السياسي وتعزيز أسس الدولة، مشددًا في الوقت ذاته على ضرورة وضوح الأهداف وضبط المجالات واعتماد منهجية صارمة تضمن تنفيذ المخرجات.
محاور الندوة
تناولت الندوة جملة من المحاور الرئيسية، من أبرزها:
أولًا: الضوابط الدستورية والانتخابية
أكد المشاركون على أهمية احترام المواد الدستورية المحصنة، خاصة تلك المتعلقة بالتداول السلمي على السلطة، وعدم إعادة فتح القضايا الدستورية المستقرة بما قد يهدد استقرار المسار السياسي.
كما ناقشوا ضرورة تحييد القضايا “التفجيرية”، وعلى رأسها موضوع اللغة الرسمية كما حسمه الدستور، ورفض منطق المحاصصة لما قد يحمله من تهديد لمبدأ المواطنة والكفاءة.
وتطرقت المداخلات إلى الإصلاحات الدستورية الممكنة عند الضرورة، بما يشمل تعزيز الفصل المتوازن بين السلطات، وإرساء توازن داخل السلطة التنفيذية، وتفعيل الضمانات الدستورية للحقوق والحريات.
إصلاح المنظومة الانتخابية كان بدوره حاضرًا بقوة، من خلال الدعوة إلى مراجعة الإطار المؤسسي المشرف على الانتخابات، وتحديث القوانين بما يعزز الشفافية والمصداقية.
كما شملت النقاشات إصلاح النظام الحزبي، وتعزيز استقلالية الإعلام، وتطوير دور المجتمع المدني.
ثانيًا: معالجة القضايا الوطنية الخلافية
اعتبر المشاركون أن بعض الملفات المزمنة تتطلب معالجة علمية ومؤسسية بعيدًا عن التوظيف السياسي، من بينها:
ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية،
الاعتراف بالتعدد الثقافي وتعزيز الاندماج الاجتماعي في إطار دولة موحدة،
معالجة مخلفات الرق بمقاربة مزدوجة حقوقية وتنموية تضمن الإنصاف والإدماج الاقتصادي والاجتماعي،
إرساء أسس المصالحة الوطنية وجبر الضرر بما يفضي إلى إغلاق نهائي لهذا الملف في إطار جامع.
ثالثًا: أولويات الإصلاح السياسي والمؤسسي
ركزت الندوة على قطاعات اعتُبرت ذات أولوية، من بينها:
إصلاح التعليم باعتباره ركيزة التنمية،
تعزيز استقلال القضاء وفعاليته،
إصلاح القطاع الصحي،
تحديث الإدارة العمومية عبر الهيكلة والرقمنة وترسيخ الحكامة،
تبني نموذج اقتصادي تنموي شامل يضمن الاستغلال الأمثل للثروات الوطنية.
رابعًا: منهجية إدارة الحوار وآليات التنفيذ
أوصى المشاركون بتشكيل هيئة وطنية مستقلة متعددة التخصصات للإشراف على الحوار، مع ضمانات قانونية تكفل استقلالها وحيادها، أو اعتماد هيئة توجيهية تضم فاعلين سياسيين وخبراء مختصين في حال تعذر ذلك.
كما تم التأكيد على:
تقسيم الحوار إلى ورشات متخصصة،
تحديد أهداف واضحة وجدول زمني دقيق،
إعداد أوراق مرجعية مسبقة،
توثيق المداولات وإصدار توصيات قابلة للتنفيذ.
واقترحت الندوة إنشاء مجلس وطني لمتابعة تنفيذ المخرجات، يتمتع بصلاحيات واضحة، ويصدر تقارير دورية علنية، ويعتمد مؤشرات لقياس الأداء، مع ربط التوصيات ببرامج حكومية وخطط تشريعية محددة.
واختُتمت الأشغال بالتأكيد على أن نجاح الحوار لا يُقاس بعدد المشاركين أو بطول الجلسات، بل بقدرته على إنتاج إصلاحات عملية وملزمة تُترجم إلى سياسات وتشريعات، معتبرين أن الرهان الحقيقي هو الإرادة السياسية وتحمل المسؤولية الوطنية.
تكتسي المراكز الاستراتيجية اهمية كبري في تنوير الرأي العام
وتعكس هذه الندوة الدور المتنامي للمراكز الاستراتيجية ومكاتب الدراسات في تنشيط النقاش العمومي وتقديم مقاربات علمية للقضايا الوطنية.
فمثل هذه الهيئات والمؤسسسات البحثية تسهم في:
إثراء النقاش السياسي عبر إنتاج أوراق مرجعية تستند إلى التحليل والبحث بدل الشعارات.
تقريب الرؤى بين الفاعلين من خلال خلق فضاءات حوار محايدة تجمع السياسيين والخبراء والمجتمع المدني.
تقديم بدائل عملية تساعد صناع القرار على بلورة سياسات أكثر توازنًا واستشرافًا.
تعزيز الشفافية والمساءلة عبر نشر التوصيات ومتابعة تنفيذها وتقييم السياسات العمومية.
وفي السياق الوطني، تكتسب هذه المراكز أهمية خاصة باعتبارها جسرا بين المعرفة الأكاديمية وصناعة القرار، وأداة لتنوير الرأي العام بعيدًا عن الاستقطاب الحاد، مما يعزز ثقافة الحوار الرصين المبني على المعطيات والتحليل العلمي.




