
يحلّ شهر رمضان كل عام ضيفًا عزيزًا على قلوب المؤمنين، حاملاً معه نفحات الإيمان وأجواء الطمأنينة، ومذكّرًا بمعاني التقوى والتزكية والإحسان. فهو ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل مدرسة روحية متكاملة، يتدرّب فيها الإنسان على تهذيب النفس، وضبط الشهوات، ومراجعة السلوك، وتجديد الصلة بالله.
في رمضان تتضاعف الحسنات، وتُفتح أبواب الخير على مصاريعها؛ فيقبل المتقون على القرآن تلاوةً وتدبّرًا، ويُحيون لياليه بالصلاة والذكر، ويتسابقون إلى الصدقات وصنائع المعروف. إنه موسم المتقين حقًا، لأن التقوى فيه تتحول من مفهوم نظري إلى ممارسة يومية، تُترجم في الصبر، والصدق، والعفو، وكفّ الأذى، والإحساس بالآخرين.
وهو كذلك مُتَّجَر الصالحين، حيث يتاجر المؤمنون مع الله بأعمال البر، طمعًا في رحمته ومغفرته ورضوانه. ففيه يرقّ القلب، وتدمع العين، وتسمو الروح فوق مشاغل الدنيا وضجيجها. يراجع المرء حساباته، ويعيد ترتيب أولوياته، ويجدد العهد مع القيم التي قد تبهت تحت ضغط الحياة.
رمضان فرصة للتكافل الاجتماعي، إذ يشعر الغني بحاجة الفقير، ويتحول الصيام إلى رسالة تضامن عملي، تعزز أواصر المجتمع وتشيع روح الرحمة بين أفراده. كما أنه محطة للتغيير الإيجابي؛ فمن استطاع أن ينتصر على شهوته ساعات طويلة، قادر على أن ينتصر على عاداته السلبية طوال العام.
إن أعظم ما في رمضان أنه يذكّر الإنسان بحقيقته الضعيفة أمام عظمة الخالق، ويغرس فيه معنى العبودية الصادقة. ومن وفقه الله لاستثمار أيامه ولياليه، خرج منه بقلب أنقى، وروح أصفى، وعزيمة أقوى على مواصلة طريق الخير بعد انقضائه.
فطوبى لمن جعل من رمضان بداية تحول، لا محطة عابرة؛ ومن اتخذه زادًا لبقية العام، لا موسمًا ينتهي أثره بانتهاء أيامه. فهو بحق موسم المتقين، ومُتَّجَر الصالحين، وميدان السابقين إلى الخيرات.

