عيد بأي كابوس عدت يا عيد.. / جبريل عائشة السماوي/كاتب سينغالي

16 يونيو, 2024 - 14:20
        جبريل عائشة السماوي/كاتب واديب  سينغالي

 الغربة يا صديقي! احتراق بلا دُخان، قراءة بلا أبجديّة، وجع صارخ بلا سابق جراح. لذلك يستحيل على الغارق في مستنقع الغربة، أن يخترع من معاني الاشتياق عيدا سعيدا أو يُموسق سنفونية متناغمة، من قواميس الحنين. فلا يمكن للابتسامة الرنّانة أن تختزل ظلمات الأوجاع، لتشقّ طريقا إلى شفة الانسان المغترب. في صباح العيد يهشم الأنين أضلعنا نحن الضاربون في الأرض، ويُذكِّرنا الألم المتضاعف ليل نهار بما يُضيّعه منا مرور الزمان. الاغتراب يا عزيزي ! صعود إلى أعماق هذا الكون الفسيح، لفهم فلسفة الحياة، كما شرحها السيّد إيليا أبي الماضي، ورسمها على قافية المهجر. الاغتراب عبارة عن انغماسٍ في أرض الله لقراءة الذات والواقع، والجريء خلف أحلامك وطموحاتك للامساك بزمامها وناصيتها… فهي رحلة غامضة إلى أقصى عالم التّجارب والمغامرات، والبحث عن معنى الحياة. فلا يمكن أن نعانق في هذه الرحلة المفعمة بالعنت والانكسار، أفراح العيد وتجلّياته الخضراء .
يا أيها الوطن القريب ببعده أشتاق أن نتمشى معـا في أمسية العيد ويدك في يدي، وروحي في روحك ، والطريقُ يطلق ضحكةً سمجة تُعيد تعريفَ السعادة.أحِبُّ أن أعُدّ على أناملك الصغيرة، أسبابَ الشغف، وأسرارَ الشوق وعناوين الحنين. أن أتأمل عينيك الواسعتين، بلونِ عسلِ الشمس، وبجفنين منتفخين يختزلان تاريخ البكاء والاشتياق.

قد يكتبُ المغترب عن أفراح العيد ويفشل في ترتيب أبجدياته، لأنّ معنى العيد في اصطلاح الغرباء والضاربين في هذه البسيطة الحزينة، ليس سوى فلكورات وطقوسات، يُمارسها الانسان المغترب بين الشروق والغروب، بين البيت والمسجد، بين المطبخ والصّالون ، بين لسعات الوجع وقسط من الفرح…لمحاولة الهروب من صدمات الحنين وهجمات الخمول واللاجدوى . عندما يكتب المغترب عن العيد سيبحث عن طرائق قدادا للانفلات من قبضة الأشجان، كما كان فرنس كافكا يحاول التخلّص والهروب من ماكينات الويل والثبور، وهو يكتب تلك الرسالة العظيمة الحزينة إلى والده الذي كسر أجنحته ومضغ أحلامه. لكن دوما تبوء محاولاته بالفشل فينصهر في ذاته الذي يحترق غيظا وغضبا وشوقا إلى الابتسامات الحبلى الراقصة وسط أواصر الأسرة.
فعندما يكتب المُغترب عن الشوق فاعلم بأنّه لم يكتب بالقلم وإنّما بالقلب والكبد وبالرّوح …
المغترب يحنّ إلى رائحة الوطن. إلى قهوة الصباح. إلى ابتسامة الأمّ الوضّاءة ..إلى كلّ شيء له علاقة بأرض الأمّ وذاكرة الصّبا. فكيف لكائن يتغذّى بالألم أن يسعد بالعيد .

البعض يكتبُ للفرار من الضجيج مثل أبي العلاء المعري، وهناك من يكتبُ للفرار من الاضطرابات النفسية مثل دوستوفيسكي، وثمّة كتّاب يرسمون الحرف ليعيشوا حياة أخرى مثل عباس محمود العقاد .. أمّا أنا أكتبُ لأصنع ترياقا لأوجاع الحنين .. فعندما أرسُم لوحة فنّية عن الاشتياق أشعر بهالة عاطفيّة لذيذة تتسرّب في شغاف قلبي، وتنشر البرودة في أضلعي، وأصبح مثل درويش يناجي الله بين القبر والمنبر….لذلك أفضّل تناول اطلالات الاشتياق والكتابة عنها في صباحات الأعياد .
كلّ عام والانسان بخير، كلّ عام وهذا العالم الذي يضجّ بالحروب والصراعات والأزمات ولعنات الامبريالية …بحاجة إلى المصالحة مع الدّين الخالص، مع تعاليم الله سبحانه وتعالى، للعودة إلى الاستقرار والانتعاش الروحي. ولن يخرج هذا العالم الحزين من مستنقعات العمى إلى تلال الضّوء إلاّ بالعودة إلى القرآن الكريم الذي صنع للانسان خريطة طريق، وأسلوب الحياة السعيدة. كلّ عام ونحن نقترب بالاتصال مع الله عزّ وجلّ، لنعبده عبادة حبّ وعشق، لا عبادة عميٍ ومصلحة .

إضافة تعليق جديد