بين طوابير الاكتتاب وضيق الفرص: قراءة في مسابقة اكتتاب الدرك الوطني

15 فبراير, 2026 - 00:26
احمدولد عبد الرحيم الدوه/اعلامي

لم تكن مشاهد التزاحم أمام مراكز التسجيل في مسابقة الدرك الوطني الموريتاني حدثًا عابرًا ضمن رزنامة الاكتتابات العمومية، بل بدت لحظة مكثفة تختصر واقعًا اجتماعيًا واقتصاديًا يعيشه آلاف الشباب الموريتانيين. 

فالإقبال الكبير على عدد محدود من المقاعد يعكس حجم الضغط المتزايد في سوق العمل، ويجسد توق جيل كامل إلى فرصة توفر له الحد الأدنى من الاستقرار.

تمثل الوظيفة في سلك الدرك، بالنسبة لكثيرين، بوابة للأمان المهني والاجتماعي؛ راتب ثابت، ضمانات قانونية، ومكانة اعتبارية داخل المجتمع. 

غير أن قراءة هذا الإقبال لا ينبغي أن تقتصر على جاذبية المؤسسة، بل يجب أن تُفهم في سياق أوسع عنوانه ضيق البدائل خارج القطاع العمومي، وهشاشة فرص التشغيل النوعية في القطاع الخاص.

وتتجلى المفارقة في أن عددًا معتبرًا من المترشحين يحمل شهادات جامعية وتخصصات متنوعة، ما يثير تساؤلات حول مدى مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات الاقتصاد الوطني. 

هنا تتضح ملامح “البطالة المقنّعة”، حين يجد الخريجون أنفسهم يتنافسون على وظائف لا تستثمر كامل مؤهلاتهم، فقط لضمان دخل ثابت. 

إنها خسارة مزدوجة: طاقات بشرية لا تُستثمر كما ينبغي، واقتصاد لا يستفيد من كفاءات تكلف إعدادها سنوات من التكوين.

هذا الواقع يرتبط بعوامل بنيوية متشابكة؛ ضعف ديناميكية القطاع الخاص، محدودية الاستثمار في القطاعات الإنتاجية الواعدة، واستمرار النظرة الاجتماعية التي تمنح الوظيفة العمومية أولوية شبه مطلقة باعتبارها الخيار الأكثر أمانًا. 

كما أن غياب سياسات فعالة لربط التعليم والتكوين المهني بحاجيات السوق يفاقم الفجوة بين العرض والطلب.

صحيح أن تنظيم مسابقات اكتتاب دورية يظل ضرورة لضمان استمرارية المرفق العام، لكنه لا يمكن أن يشكل حلًا مستدامًا لأزمة تشغيل الشباب.

 فالمعالجة الحقيقية تمر عبر رؤية تنموية شاملة تُعلي من شأن تنويع الاقتصاد، وتدعم ريادة الأعمال
 وتفتح المجال أمام استثمارات قادرة على خلق فرص عمل ذات قيمة مضافة.

في المحصلة: تكشف مسابقة اكتتاب الدرك الوطني أكثر من مجرد سباق نحو وظيفة؛ إنها مؤشر على طموحات جيل يتطلع إلى الاستقرار والمشاركة الفاعلة في بناء وطنه. 

غير أن ترجمة هذه الطموحات إلى واقع منتج تظل رهينة إصلاحات عميقة تعيد التوازن بين الحلم والفرص المتاحة، وتمنح الشباب آفاقًا أرحب من مجرد الانتظار في طوابير الاكتتاب.