مواقع التواصل والمشاعر المكشوفة!/سلطان بركاني

4 يناير, 2026 - 15:57

روى الإمام ابن الجوزي -رحمه الله- في كتابه “أحكام النساء” عن الإمام أحمد بن حنبل -عليه رحمة الله- أنه كان عنده رجل من العُباد، فعطست امرأة أحمد خلف السّتار، فقال لها العابد: يرحمكِ الله، فقال أحمد: عابد جاهل.. الرّجل لم يزد على أن شمّت زوجة الإمام أحمد، لكنّ الإمام أنكر عليه فعله، لأنّه لم يكن له أيُّ داعٍ، ومهما كانت الفتنة مستبعدة في مثل الواقعة المذكورة، إلا أنّها لن تكون كذلك في كلّ الأحوال.

ربّما يستهجن شباب الفايسبوك والماسينجر والتيكتوك هذا الكلام، لأنّ كثيرا منهم ينظر إلى سدّ الذّرائع وإغلاق أبواب الفتن على أنّها من التحسينيات وليست من الضّروريات، بل ربّما ينظر إليها بعضهم على أنّها تنطّع مذموم! وهؤلاء لا يعلمون أنّ علماء الأمّة من مختلف المذاهب قرّروا أنّ الرّجل إن كان شابا وعطست أمامه امرأة شابّة من غير محارمه فإنّه لا يشمّتها، وإن شمّتها فإنّها لا تردّ عليه، درءًا للفتنة، بخلاف ما لو كانت المرأة كبيرة وأمنت الفتنة فلا بأس في أن يشمّتها الرّجل أو تشمّته.

غلظة مع المحارم ولطف مع الأجانب!

ما سبق ذكره، مثال من بين عشرات الأمثلة عن الآداب الواجبة التي أصبحت مهجورة في أوساط كثير من الشّباب والفتيات وحتّى بعض المتزوّجين والمتزوّجات، في المدارس والجامعات وأماكن العمل، فضلا عمّا يحصل في مواقع التواصل الاجتماعيّ من انفتاح قتل الحياء في النفوس وكسر الحواجز بين النّساء والرّجال، حيث أصبح فخرا للمرأة أن تدخل المجموعات والصفحات لتكتب وتعلق وتناقش ليس في الأمور الهادفة والنّافعة، إنّما في التفاهات، وربّما تدردش على الخاصّ مع الأجانب وهي في بيتها، وربّما تكون متزوّجة وزوجها نائم إلى جانبها، وهي خاشعة مع الهاتف تكلّم رجلا آخر وتبثّ له أشجانها وتحدّثه عن سوء معاملة زوجها وغلظة مشاعره، وذلك الغريب يبدي التعاطف معها والأسى لحالها ويذرف الدموع المصطنعة لأجلها، والمفارقة أنّه ربّما يكون هو الآخر متزوّجا هاجرا لزوجته زاهدا فيها لا تسمع منه كلمة طيبة، لكنّه يتحوّل إلى طبيب نفسيّ يربت على أكتاف بنات وزوجات إخوانه المسلمين.

وهكذا بعض الشّباب، ربّما لا تسمع منه أخته كلمة طيّبة، وهو الذي يبيت الليالي يتفاعل بكلّ مشاعره مع هذه ويبدي تعاطفه مع تلك.. غليظ جافّ جافٍ مع أمّه وأخواته في البيت، لكنّه لطيف حنون في مواقع التواصل مع الفتيات والنّساء الأجنبيات.. ومثله حال بعض الفتيات؛ تجد الواحدة منهنّ سريعة الغضب فظّة غليظة مع أمّها وإخوتها، لكنّها تتصنّع اللّطف والحنان في مواقع التواصل، وتنشر من المنشورات ما يظهرها ملكا كريما يسير على الأرض!

حصاد كسر الحواجز بين الرّجال والنّساء!

لقد هَتكت مواقع التواصل، فايسبوك وتيكتوك ماسينجر وواتس آب وفايبر وغيرها، الأستار وكسرت جدار الحياء بين الرجال والنّساء، وأصبحنا نرى شبابنا وفتياتنا في المجموعات يضاحك بعضهم بعضا، هذا يكتب مازحا وتلك تعلّق ضاحكة “ههههههه”، وهذا يبدي إعجابه بذوق تلك، وتلك تضع قلبا على تعليق هذا، وهكذا… حتّى أنّ بعض شبابنا أصبحوا لا همّ ولا شغل لهم إلا كتابة ما يستفزّ الفتيات للتعليق وإبداء الرّأي والدّخول في نقاشات لا آخر لها.. شباب لا يحملون من الرجولة إلا اسمها معتكفون في بعض المجموعات لأجل خوض نقاشات تافهة حول الطّباع والأذواق وحول الطّبخ واللّباس!!! ومنهم من لا شغل له إلا الكتابة في المواضيع المتعلّقة بالنّساء، بشكل مهين ومثير للاشمئزاز.. هذا ما يحصل في العام، كيف بالخاص.. فأين ذهب الحياء؟ أين التحفّظ الذي كنّا نعهده بين الرّجال والنّساء في سنوات وعقود سبقت؟

مواقع التواصل الاجتماعيّ تحوّلت إلى مواقع للدّمار الاجتماعيّ.. هتكت أعراض ودنّست، وطلّقت زوجات وخلع أزواج، وتشتّتت بيوت وتبعثرت بسبب مواقع التواصل الاجتماعيّ.. تشير بعض الإحصاءات أنّ الجزائر تسجل ما يربو على 90 ألف حالة طلاق و20 آلاف حالة خلع كلّ سنة، بمعنى: 246 حالة طلاق و55 حالة خلع كلّ يوم.. لهذه الظاهرة الخطيرة أسباب كثيرة، من أهمّها التفتّح والتفسّخ في مواقع التواصل الاجتماعي التي أغرت بعض الزوجات ضعيفات الإيمان بالبحث عن الحنان المفقود، عند الرجال الأجانب، وسوّلت لبعض الفتيات العابثات البحث عن الاهتمام المفقود، لدى ذئاب مواقع التواصل الذين يلبسون جلود الضّأن على قلوب الذّئاب.

اللَّه يَعْلَم مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ

هذا الذي يفعله بعض أشباه الرّجال، من التوسّع في الكلام مع النّساء في مواقع التواصل وحتى في الواقع، بما لا ضرورة له ولا حاجة تدعو إليه، بحجّة أنّها صديقة في الفايسبوك أو أنّها زميلة في العمل، يسأل عن حالها وصحّتها وعن مشاكلها وأحزانها، وهي كذلك تسأله، ويمازحها وتمازحه، ويضاحكها وتضاحكه، وربّما تشكو إليه زوجها وهو يشكو إليها زوجته! هذا الذي يفعله هؤلاء وأولئك معصية قد تبدأ صغيرة، لكنّها لا تبقى كذلك.

الله جلّ وعلا يقول: ((وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ)) (الأحزاب: 54). هذا خطاب وُجّه أوّل الأمر إلى أطهر النّاس قلوبا صحابة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، في تعاملهم مع أطهر النّساء قلوبا نساء النبيّ عليه الصّلاة والسّلام، فكيف بنا نحن في هذا الزّمان؟ ويقول سبحانه وتعالى: ((وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ))؟ فأين من يبيتون في مواقع التواصل والدردشة يختانون بنات ونساء المسلمين من هذه الآية؟

هذا الذي ألفه بعض المسلمين والمسلمات في مواقع التواصل، ليس من أخلاق الإسلام وليس من المروءة في شيء.. إذا زاد الكلام ارتفعت الكلفة، وإذا ارتفعت الكلفة زادت الألفة، وإذا زادت الألفة تحرّكت لواعج النّفوس، والإنسان لا يأمن على نفسه الفتنة، وكم من امرأة متزوّجة فتنت بصديق الفايسبوك، أو بزميل العمل، وأصبحت ترى في زوجها شيطانا رجيما، وكم من رجل متزوّج فتن بامرأة أخرى بسبب التوسّع في الكلام ورفع الكلفة والانفتاح الزّائد، وأصبح ينظر إلى امرأته كعبء ثقيل في حياته.

إنّه ليس يجوز ولا يليق أن تتحدّث المرأة المسلمة على صفحتها في الفايسبوك أمام الرجال الأجانب عن سوء علاقتها بزوجها، وتكشف عن معاناتها، لكلّ من هبّ ودبّ.. ينبغي أن تكون شكواها لله الواحد الأحد الذي يملك كشف همّها وتفريج كربها، ولا ينبغي لها أن تبثّ أحزانها وتكشف عن مشاعرها أمام الملأ؛ فليس جسد المرأة وحده هو العورة، ولا هو وحده ما يجب حجبه، إنّما المشاعر أيضا عورة، وليس يليق بامرأة مسلمة أن تحْجُب جسدها وتترك مشاعرها مكشوفة للأجانب في مواقع التواصل.. المشاعر عورة، والرّجل المسلم الشّهم لا يتطلّع إلى عورات إخوانه، ولا يتظاهر بالشّفقة على امرأة مسلمة أخطأت فبثّت مشاعرها وأحزانها، فيخضع بالقول ويُلين الكلام ويبدي تفاعله وأساه! حتّى الدّعاء ينبغي أن يكون بظهر الغيب، وليس عيانا.