
إنها أزمة أكبر وأخطر، مما تبدو عليه في أية قراءة متعجلة.
يصعب تلخيصها في وقائع ما جرى في يوم واحد، عندما وصلت ذروتها بعملية عسكرية سعودية محدودة، قبل أن تأخذ منحى وقف التصعيد وإعادة ترتيب الحسابات والأوراق.
تعقيدات الأزمة وألغامها كاشفة بذاتها لمدى خطورتها على مستقبل المنطقة كلها، لا اليمن وحده ولا دول الخليج كلها.
لا السعودية بوارد التدخل العسكري الواسع مجددا في المستنقع اليمني.
ولا الإمارات بطاقتها تحمُل العواقب الوخيمة لأية مواجهة عسكرية وسياسية مفتوحة.
تراجعت الإمارات خطوتين أو ثلاثة إلى الخلف؛ لدرء المخاطر المحدقة إثر تصعيد سعودي غير مسبوق.
كانت العملية العسكرية السعودية المحدودة، التي استهدفت سفينتين إماراتيتين في ميناء المكلا اليمني، تحملان أسلحة وذخائر وعربات قتالية إعلانا بانهيار تحالف دعم الشرعية اليمنية، الذي جمعهما لمدة عشر سنوات.
كان ذلك تصعيدا بسقف عال في إدارة الأزمات المكتومة بين البلدين في الملف اليمني، وفي غيره من الملفات.
سوغت السعودية تلك العملية العسكرية بتعرض أمنها القومي لأخطار حقيقية بتحريض من الإمارات.
الإمارات نفت، وحاولت وقف التصعيد، لكن الحقائق ما تزال على حالها.
كان التوسع العسكري الميداني لـ”المجلس الانتقالي الجنوبي” الانفصالي، المدعوم إماراتيا على حساب “السلطة الشرعية” المفترضة، التي تحظى بدعم سعودي كامل، نقطة التفجير.
أخذ التصعيد مداه بعملية عسكرية سعودية محدودة، ألغى على أثرها “رشاد العليمي”، رئيس المجلس القيادي الرئاسي، اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات، داعيا فيما يشبه الإنذار لسحب قواتها خلال (24) ساعة.
أعلن حالة الطوارئ في البلاد “التي لا تسيطر القوات التابعة له سوى على 10% من أراضيها، لمدة 90 يوما”!
الكلام كله بالنيابة عن اللاعب السعودي، لكنه اكتسب قوته وتأثيره من صفة الشرعية التي يحوزها دوليا.
بالمقابل، نحت الإمارات إلى تخفيض التصعيد، أعلنت إنهاء ما تبقى من فرق مكافحة الإرهاب في اليمن، بقرار طوعي منها!
نفت أن تكون تورطت، أو حرضت على تهديد أمن السعودية، أبدت انزعاجها من شيطنة صورتها، ودعت بصياغات متواترة ومختلفة إلى الحكمة فوق الانفعال.
أسوأ استنتاج ممكن القول إن الأزمة انتهت.
الصراع على القوة والنفوذ في البلد العربي المهدم، أو على حساب مستقبله أحد أوجه الأزمة وليس صلبها.
هذه حقيقة لا يصح تجاهلها في خضم المنازعات والاتهامات المتبادلة والمبطنة عبر الفضائيات.
السؤال الحقيقي: ما وجه الخطر في قصة ما جرى متلاحقا بالفعل ورد الفعل على الأراضي اليمنية.
الإجابة الواضحة والمباشرة: انفصال الجنوب، أو العودة إلى ما قبل (1990).
كانت وحدة شطري اليمن حلما راسخا لدى الأغلبية الساحقة من اليمنيين شمالا وجنوبا.
تقويض ما توصف دوليا بـ”السلطة الشرعية”، التي تتخذ من عدن عاصمة مؤقتة، يعني بالضبط الخطوة قبل الأخيرة لانفصال الجنوب.
في السياق نفسه، بدا الاعتراف الإسرائيلي بدولة “أرض الصومال” الانفصالية، التي لا يعترف بها أحد في العالم، تعبيرا عن نزوع صريح ومباشر لإعادة تقسيم المنطقة، وبناء شرق أوسط جديد، تقوده إسرائيل على أنقاض ما كان يطلق عليه “الوطن العربي”.
تواترت تقارير دولية، أن “أرض الصومال” وجهة محتملة لتهجير طوعي للفلسطينيين من غزة.
السياق ضروري لفهم ما يجرى في اليمن.
بتعبير “عيدورس الزبيدي” قائد “الانتقالي الجنوبي”: “فإن الجنوب اليمني أمام لحظة حاسمة”، قاصدا إعلان الانفصال، وربما الانتقال بالعلاقات مع إسرائيل إلى سلام وتطبيع على النهج الإبراهيمي.
هكذا بكل وضوح.
نحن أمام مشروعين انفصاليين على ضفتي البحر الأحمر، يُمَكِنا إسرائيل من الهيمنة على استراتيجيته بالمشاركة مع إثيوبيا.
المعنى إضعاف إضافي لمصر، أمنها المائي ومستقبل قناة السويس وأدوارها المفترضة في إقليمها المضطرب.
المشروع الصومالي الانفصالي يهدد مصالح، وأمن ثلاث دول رئيسية أخرى بالإقليم: تركيا، وإيران، والسعودية.
هذا كلام في عمق الأزمة، يدخل في احتمالات الصدام وصراعات القوة والنفوذ.
وإذا ما نظرنا إلى مجمل التطورات الماثلة والمحتملة في الإقليم على اتساعه، فإننا أمام سيناريوهات، تؤذن بمواجهات عسكرية على أكثر من جبهة.
الحرب على إيران مجددا ليست مستبعدة.
وقد أخذت وقتا طويلا على جدول أعمال اجتماع الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” ورئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” في فلوريدا.
الحرب على لبنان بذريعة نزع سلاح حزب الله، تكاد أن تكون شبه مؤكدة، رغم إبداء السلطة اللبنانية استعدادها للتفاوض مع إسرائيل ودعوة “ترامب” المتلعثمة إلى شيء من عدم الاندفاع في هذا الخيار.
التوسع على حساب سوريا وأمنها ووحدتها، احتمال وارد بقوة، رغم ضغوط “ترامب” الخجولة على شريكه “نتنياهو”!
والعودة إلى الحرب على غزة سيناريو ثالث، بذريعة أو أخرى، رغم تأكيدات “ترامب” على ضرورة البدء في المرحلة الثانية لخطته.
الحرب ولا شيء غيرها.
هذا هو جوهر التوجه السياسي والاستراتيجي الإسرائيلي، أي كلام آخر تعلق بالأوهام المحلقة.
المثير للالتفات- هنا- أن النزوع الإسرائيلي للحرب على كافة الجبهات، مدعوما من الولايات المتحدة، ترافقه ضغوط ودعوات لتوسيع اتفاقيات السلام الإبراهيمية!
إننا أمام أوضاع انكشاف خطرة تضرب الأمن القومي العربي في صميم وجوده.
ما حدث في اليمن، تعبير عن الانكشاف، جزء منه وليس كله.
وهو يتماس مع مجمل أزمات الإقليم المشتعلة، أو القابلة للاشتعال.
النظام العربي الرسمي في حالة موت سريري.
كان أقصى ما فعلته الجامعة العربية أمام الأزمة السعودية الإماراتية الدعوة لعدم التصعيد وتغليب لغة الحوار، ولا شيء آخر يؤخذ في الحسبان!
إنه نفس الاتجاه العام، الذي مالت إليه أغلب البيانات العربية، التي أضافت التأكيد على دعم السلطة الشرعية اليمنية، بحمولاته السياسية الداعمة للجانب السعودي.
في جميع المداخلات والمساجلات، أجمعت الأطراف المتصادمة على “عدالة القضية الجنوبية” دون ذكر ما المقصود بالضبط، رفع التهميش عن أهالي الجنوب؟.. أم إقرار الحق في الانفصال؟!
الكلام يحتمل الشيء ونقيضه والمستقبل نفسه مفتوح على الأخطار كلها.
المصدر= مجلة الوعي العربي

