قطر وإسرائيل.. مناورات في العلن وتطبيع في الظل “تحليل”/ عبد الحي كريط

5 أبريل, 2025 - 00:55
   عبد الحي كريط   باحث وكاتب مغربي، مهتم بالشأن الإسباني، مدير نشر أنباء إكسبريس

بينما كانت غزة تغرق في الدماء وتئن تحت وطأة القصف الإسرائيلي العنيف، كانت طائرات قطرية تشارك جنبا إلى جنب مع الطيران الإسرائيلي في مناورات عسكرية مشتركة نظمت في اليونان.

مشهد متناقض صادم، يكشف عن حقيقة طالما حاولت الدوحة التستر عليها، حقيقة أن قطر، رغم خطابها الإعلامي الداعم للقضية الفلسطينية، تنخرط فعليا في تحالفات وممارسات تؤكد موقعها كحلقة فاعلة في مشروع التطبيع الإقليمي، وإن كان “تطبيعا مقنعا” أو “عضويا” كما تصفه بعض الدوائر.

لم تكن هذه المشاركة القطرية في المناورات مجرد صدفة أو حادثا بروتوكوليا، بل هي امتداد لسياسات استراتيجية تتجاوز البعد الإعلامي إلى تحالفات عسكرية وأمنية، تأتي ضمن شبكة معقدة من المصالح التي توظف القضية الفلسطينية كأداة لتعزيز النفوذ الإقليمي.

وسأحاول في هذا المقال تسليط الضوء على هذا الوجه المزدوج للسياسة القطرية، محللا دلالات المشاركة القطرية في مناورات اليونان، ومفككا البنية الخطابية التي تحاول قطر من خلالها الظهور كداعم مقاومة، بينما تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط وتشارك في تدريبات مع الكيان الذي يواصل عدوانه على الشعب الفلسطيني.

مناورات اليونان.. الغطاء العسكري للتطبيع

المناورات الجوية التي جرت في اليونان في مارس 2024، والتي ضمت إلى جانب اليونان كلا من الولايات المتحدة، فرنسا، إيطاليا، الإمارات، كانت صادمة في مشاركة قطر التي جمعتها أجواء التحليق والتدريب مع الطائرات الإسرائيلية.

في الوقت الذي تتحدث فيه وسائل إعلام الدوحة عن جرائم حرب ترتكب في غزة، كانت قطر عمليا تشارك في تدريبات عسكرية قد تخدم مستقبلاً عمليات هجومية تنفذها إسرائيل أو تحالفات تبنى لتطويق المقاومة الفلسطينية.

هذه المناورات ليست مجرد نشاط عسكري تقني، بل هي رسالة سياسية بامتياز. فالمشاركة في تدريب مشترك مع جيش الاحتلال الإسرائيلي يعني الاعتراف بفعاليته كشريك عسكري، وهو ما يتناقض تماما مع الخطاب العلني الذي تتبناه الدوحة، الذي يقدّمها كحاضنة لحركات المقاومة وكوسيط في صراعات المنطقة.

إن ازدواجية هذا الموقف تكشف عن الانقسام بين الخطاب السياسي العاطفي الذي توجهه قطر إلى الجمهور العربي، والممارسة البراغماتية التي تتحكم بها المصالح العليا والتحالفات الأمنية الغربية.

القاعدة الأميركية في العديد.. بوابة النفوذ الأميركي والإسرائيلي

في قلب الصحراء القطرية، تقع قاعدة “العديد” الجوية، أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، ومركز استراتيجي للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM).

هذه القاعدة التي تعتبرها واشنطن حجر الأساس في عملياتها بالمنطقة، ليست مجرد منشأة عسكرية، بل هي تمثيل مباشر لمدى تعقيد العلاقة بين قطر والولايات المتحدة، وإمتداد غير مرئي للنفوذ الإسرائيلي في المنطقة.

قاعدة العديد ليست بعيدة عن دائرة التطبيع، ليس لأن فيها جنودا أميركيين فقط، بل لأن الولايات المتحدة، الداعم الأول لإسرائيل، تمارس عبر هذه القاعدة دورا مركزيا في التنسيق العسكري الذي يشمل إسرائيل ضمنا.

ومن المعروف أن بعض العمليات العسكرية التي تنفذها إسرائيل في المنطقة تمر بموافقة ضمنية أو تنسيق مباشر مع القيادة الأميركية في الخليج، ما يجعل من الوجود الأميركي في قطر غطاء لتبادل معلومات استخباراتية وتحركات عسكرية لا يمكن فصلها عن الأمن الإسرائيلي.

التطبيع العضوي.. من تحت الطاولة إلى قلب الحدث

خلافا لصيغ التطبيع العلني التي انتهجتها دول مثل الإمارات والبحرين عبر اتفاقيات رسمية، اختارت قطر طريقًا أكثر تعقيدًا ودهاءً ألا وهو التطبيع العضوي.

وهو تطبيع لا يعلن، لكنه يتسلل إلى صلب المنظومات الأمنية والعسكرية والسياسية، حتى يصبح واقعا قائما من دون الحاجة إلى توقيع اتفاق أو رفع علم.

منذ سنوات، وقطر تؤدي دور الوسيط في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مقدّمة نفسها كجسر تواصل بين المقاومة والاحتلال، بينما تبقي على خطوط اتصال مفتوحة ومستمرة مع الجانب الإسرائيلي، سواء عبر التنسيق الأمني غير المباشر أو من خلال العلاقات التي تتم عبر أطراف ثالثة، أبرزها الولايات المتحدة ومؤسسات دولية.

وقد أتاح لها هذا الدور غطاءً دبلوماسيا للتحرك في الخفاء، حيث يجري التطبيع في غرف مغلقة لا تحتمل ضوء الكاميرات.

غزة كورقة.. الاستثمار السياسي في الألم الفلسطيني

لم تكن غزة يوما بعيدة عن الخطاب القطري، بل إنها أصبحت، بمرور الوقت ورقة مركزية في الدعاية السياسية والإعلامية للدوحة.

فمن خلال الدعم المالي المعلن، والوساطة المتكررة بين حماس وإسرائيل، نجحت قطر في تقديم نفسها كفاعل إنساني ووسيط نزيه في واحدة من أعقد الملفات في الشرق الأوسط.

غير أن هذه الصورة تخفي وراءها استثمارا سياسيا عميقا في معاناة الفلسطينيين، يستغل لتلميع الدور الإقليمي لقطر وتوسيع هامش تحركها في ظل التنافس الخليجي.

الدوحة لم تتوان عن استخدام حرب غزة الأخيرة كورقة تفاوضية ومصدر لشرعية سياسية، داخليًا وخارجيا. ففي كل مرة ترتفع فيها حدة العدوان الإسرائيلي، تتحرك قطر في الإعلام والمحافل الدولية كمدافع شرس عن حقوق الفلسطينيين، بينما تواصل على الأرض تعزيز علاقاتها الأمنية والعسكرية مع القوى الداعمة لهذا العدوان.

إنها معادلة النفاق السياسي، التباكي على الضحايا في العلن، والتنسيق مع الجلاد في الكواليس.

نفاق المواقف وانكشاف الوجوه

تكشف المشاركة القطرية في المناورات العسكرية مع إسرائيل عن ما هو أعمق من مجرد حادثة سياسية، إنها نافذة على طبيعة السياسات الإقليمية المبنية على النفاق والازدواجية.

فمن ادعاء دعم المقاومة إلى التعاون العسكري مع من يقصفها، ومن احتضان الإعلام الثوري إلى إيواء القواعد الأميركية، يتبدى وجه قطر الحقيقي، كدولة تمارس سياسة “الظل” بحرفية، لكنها لم تعد قادرة على إخفاء تناقضاتها.

وختاما، رغم أن قطر تعتمد بشكل رئيسي وعلني على الولايات المتحدة وتركيا في عقود التسليح والدعم العسكري، لكن التطورات الأخيرة كشفت عن “تطبيع خفي”، بين قطر وإسرائيل ويعتقد بأنه سيعزز العلاقات الأمنية مع إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط.