
لا أدري لماذا كلما حلت مناسبة اليوم العالمي للغة العربية ، تسارع شخصيات موريتانية إلى التذكير إلى مسألتين، لا موجب لهما:
الأولى أن الهوية الموريتانية مركبة، كما لو كان يوجد في العالم هوية نقية.
الثانية: خلطها المتعمد بين تطبيق دستورية اللغة العربية مع الانغلاق اللغوي. فبالنسبة للمسألة الأولى، لا توجد دولة من عرقية واحدة خالصة لا شية فيها؛ فكل دولة في العالم يتألف شعبها من عرقيات مختلفة ، من بينها واحدة تمثل أغلبيتها، و تحمل الدولة هويتها الثقافية و تعتمد لغتها لغة وطنية موحِّدة، مع وجود هويات فرعية و لغات ثانوية و خصوصيات ثقافية لمختلف الأقليات الوطنية التي تشكل مجتمعة، مع هوية الأكثرية، الهوية الحضارية للدولة. فانظروا مثلا إلى السينغال، و مالي و فرنسا و تركيا و إيران و أمريكا، و آلمانيا و روسيا... فكلها دول وطنية موحدة على أساس لغة وطنية جامعة ، هي لغة الأكثرية العددية من مكونات الدولة. و أما بالنسبة للمسألة الثانية، فلا موجب للدعوة للانفتاح على اللغات العالمية، فهذا تحصيل حاصل و لم يقل بعكسه أحد في موريتانيا. إذ معرفة بل إتقان اللغات الأجنبية مطلب ملح لكل ذي عقل. فبقدر تعلم اللغات يكون ارتفاع مستوى الوعي و العقل. الحقيقة أن من يثيرون هذه المسائل يدركون أنهم لا يواجهون واقعا من هذا القبيل في موريتانيا، فلا أحد يرفض واقع التعدد الإثني في موريتانيا على غرار دول العالم كلها، و لا أحد من الغباء بحيث يتعصب للإنغلاق على لغة واحدة. و لكنهم يثيرون هذه المسائل، بقصد و سبق إصرار، لعرقلة الوعي الوطني بأهمية توحد الشعب في لغة وطنية، هم لا يرغبون فيه و لا يستطيعون أيضا الاعتراض صراحة على اللغة العربية و الدعوة لاعتماد اللغة الأجنبية ، فيلجأون إلى هذا الأسلوب الإلتفافي ليعطوا الانطباع أن مشكلتهم ليست مع اللغة العربية، إنما مع جماعة متعصبة بدائية، لا تؤمن بالتعدد الإثني و اللغوي و الثقافي في موريتانيا ، و لا تقبل الانفتاح على اللغات العالمية!
إن من يقفون في وجه تطبيق احترام مكانة و دور اللغة العربية في موريتانيا يتمثل في ثلاث تيارات: تيار الافرانكوفونية المسيطر على مؤسسات الدولة منذ الجلاء العسكري الفرنسي عن البلاد، و يتوارث موقف منع اللغة العربية من أي ولوج للإدارة و المؤسسات الحيوية و سوق العمل.
التيار الثاني، نخب الكادحين( اليسار سابقا) الذي تخرجت أغلب قياداته و أطره باللغة الفرنسية و بسطوا هيمنتهم على مؤسسات و مرافق الدولة عند تأسيسهاو ارتبطت مصالح أفراد و شخصيات هذا التيار باللغة الفرنسية. هؤلاء ، مع استثناءات ضيقة، يعتبرون إعادة الاعتبار للغة العربية و نفاذها إلى الإدارة و المؤسسات و المسابقات الوطنية خطرا ماحقا لمصالحهم و مصالح أبنائهم الذين واصلوا التعليم خارج موريتانيا ، أو داخلها في المدارس الخاصة المحلية و الدولية، باللغة الفرنسية. التيار الثالث، قيادات شعوبية من تيار الإخوان المسلمون، يكادون يكونون من جهة واحدة، ناصبوا اللغة العربية العداء، معتبرين تنشيطها في إدارة و مؤسسات الدولة الموريتانية نذير شؤم على الإسلام في البلاد، لأنهم خلطوا بين هذه اللغة و بين خطورة الوعي القومي العربي، المنافي ،في وعيهم، لعقيدة الإسلام العالمية. و لما رأت هذه التيارات المتحالفة- على ضرورة استمرار الغموض اللغوي و التعبثر الهوياتي في موريتانيا - هشاشة التبريرات التي يقدمونها للشعب في موضوع الاحتفاظ باللغة الفرنسية في الإدارة الوطنية و مؤسسات الدولة الموريتانية لجأت إلى : أن من يدافعون عن اللغة العربية و يدعون لتطبيق المادة الدستورية المتعلقة بهذه اللغة، إنما يسعون على الحقيقة لإقصاء الأقليات الوطنية من منافع الدولة بفرضهم على العمل بلغة " أجنبية" عليهم، أو بتهمة أن هؤلاء المدافعين عن العربية يعملون على تذويب الهويات القومية و الخصوصيات الثقافية و اللغوية للأقليات الوطنية، لغاية " تعريبهم"!
الذريعة الثانية عند الفرانكوفيليين و الشعوبيين أن اللغة العربية لا تحتاج لمن يدافع عنها، فهي لغة القرآن و يجب تركها تنافس اللغة الفرنسية خارج نطاق الإدارة و المسابقات الوطنية، بمعنى : دعوا اللغة العربية في مجالها التعبدي في المصاحف، و المحاظر و قرض الشعر في مدائح النبي عليه الصلاة و السلام... و مدائح ساكن القصر الرئاسي! إن هذه الحجج الواهية تستجيب لأهداف سياسية تكتيكية، منها وصم المدافعين عن اللغة العربية بمعاداة الأقليات الوطنية و العنصرية ، و التعدي على حقوق ثقافية و لغوية لهذه الأقليات، و منها إظهار أنه لا يوجد من يحمي هذه الأقليات إلا أنصار اللغة الفرنسية، و منها فرض الاستفادة من حقوق التوظيف و الترقية الوظيفية و التعيين السامي في المشاريع الدسمة باللغة الفرنسية، بمعنى تنفير المواطنين من لغتهم باعتبارها عامل إقصاء و حرمان من العمل ... حتى يضطر الشعب الموريتاني للزهد في لغته و التشبث باللغة الأجنبية، التي تجلب المنافع و الجاه! و من فوائد مرافعات المؤيدين لتهميش اللغة العربية أن هذا الملف يظل عامل عدم استقرار لكل الأنظمة، و عامل ربط دائم، لا مفر منه، للدولة الموريتانية بالدولة الفرنسية!و كل ما يتذرع به هؤلاء و أولئك لا يخرج عن غايتين: غاية مصلحية - سياسية، و غاية شعوبية تصب كل جهدها في نفي الوعي القومي العربي في موريتانيا، و تحطيمه باسم الإسلام و لأجل الإسلام، إذ لا يستقيم عندهم الانتماء القومي العربي مع الإيمان بالله و رسالة الإسلام، بخلاف قبولهم بالانتماء القومي للتركي و الفارسي و السينغالي، و الفرنسي و الأوردي... ، مع الانتماء لدين الإسلام ... فهذا لا ضير فيه!