
قدّم الأكاديميان عبد الرحمن اليسع ومحمد المنير مقالًا تحليليًا يتجاوز الجدل الظرفي حول فرضية الولاية الثالثة، ليضعا النقاش في إطاره الدستوري والسياسي والأخلاقي.
فالمسألة، في نظرهما، ليست مجرد تعديل تقني لنص قابل للمراجعة، بل اختبار حقيقي لمدى احترام الدولة لروح الدستور ولمكتسبات التوافق الوطني التي أعقبت مرحلة طويلة من الحكم الاستثنائي.
ينطلق الكاتبان من مسلّمة أساسية مفادها أن تقييد عدد الولايات الرئاسية ليس إجراءً عابرًا، بل صمام أمان ضد الانزلاق السلطوي، ونتاج توافق وطني جاء في سياق رغبة جماعية في القطع مع ممارسات الماضي. ومن هنا، فإن أي التفاف على هذا القيد – حتى وإن تم عبر أدوات قانونية مشروعة شكليًا – سيحمل في طياته كلفة سياسية وأخلاقية مرتفعة، قد تمس بشرعية المؤسسات ذاتها.
ويحذّر المقال من دينامية مألوفة في السياقات المشابهة: تضخيم صورة الحاكم باعتباره «المنقذ»، وتعبئة شبكات النفوذ والزبونية لتسويق التمديد، ثم البحث عن مخارج قانونية تمنح الخطوة غطاءً شكليًا. هذه الآلية، في تقدير الكاتبين
قد تنجح ظرفيًا، لكنها تضعف الثقة في المؤسسات وتُكرّس هشاشة البناء الديمقراطي.
كما يربط المقال بين هذا الجدل وبين أولويات البلاد التنموية، معتبرًا أن الانشغال ببقاء النظام يصرف الانتباه عن تحديات أكثر إلحاحًا:
الفساد، الفقر، ضعف الحوكمة، وتزايد الإحباط الاجتماعي. وهنا يطرح سؤالًا مشروعًا حول حصيلة السنوات الماضية مقارنة بحجم الموارد التي أُنفقت، دون أن يحمّل الرئيس الحالي وعودًا لم يقطعها، لكنه يشير إلى استمرار نمط حكم لم يُحدث القطيعة المنتظرة.
قراءة نقدية:
قوة المقال تكمن في تفكيكه للبعد الأخلاقي والسياسي وراء النقاش القانوني، وفي تحذيره من أن الشرعية لا تُستمد فقط من الإجراءات، بل من احترام روح التوافق الوطني.
غير أن النقاش يظل مفتوحًا حول آلية إدارة هذا الجدل: فهل يكفي التحذير من مخاطر التمديد، أم أن المطلوب إطلاق دينامية إصلاح أوسع تعيد الاعتبار للمؤسسات وتُحصّنها من أي شخصنة مستقبلًا، بغض النظر عن الأسماء؟
كما أن الرهان الحقيقي لا يتمثل فقط في منع تعديل دستوري محتمل، بل في بناء ثقافة سياسية تُصبح فيها مسألة التداول السلمي أمرًا بديهيًا لا يثير كل هذا القلق مع نهاية كل مأمورية.
فالدساتير القوية لا تحميها النصوص وحدها، بل تحميها إرادة جماعية تحترم حدود السلطة.
في المحصلة، يضع المقال الإصبع على جرح مألوف في التجارب السياسية بالمنطقة:
إغراء البقاء في الحكم عبر «حيل قانونية» قد تبدو ممكنة، لكنها تظل وصفة مستهلكة، غالبًا ما تنتهي بإضعاف الدولة بدل تقويتها. والسؤال الذي يبقى معلقًا: هل تتجه البلاد نحو ترسيخ تقليد مؤسسي مستدام، أم تعيد إنتاج الحلقة ذاتها كلما اقتربت نهاية ولاية؟

