
ونحن نعدّ الأيام والليالي لاستقبال شهر رمضان الفضيل، لعلّه يحسن بنا أن نعود لنذكّر بمعركة مهمّة وضرورية وحاسمة يخوضها كلّ واحد منّا، تستغرق عمره كلّه، ولا مفرّ له من خوضها وإلا كان من الخاسرين النّادمين؛ تلك هي معركة العبد مع نفسه وقرينه الشّيطان؛ هذه المعركة التي كثيرا ما ينساها العبد في خضمّ انشغاله بمعارك الدنيا الفانية؛ يتماهى -قلبا وقالبا- مع معاركه التي يخوضها ضدّ جيرانه وأقاربه وإخوانه، ومع معركته لتوفير لقمة العيش، وينسى المعركة الأهمّ التي خلق ليخوضها!
كثير من المسلمين، فضلا عن غيرهم، استسلموا لأنفسهم ولشياطينهم، ورفعوا الراية البيضاء وتولّوا عن معركة العمر.. تجد الواحد منهم شيطانُه في غاية السّعادة والقوة لأنّه لا يتعب مع صاحبه الذي لا يعصي له أمرا إلا قليلا، ونفسُه وادعة هانئة مطمئنّة لا يجاهدها ولا يتعبها ولا يقف لها في طريق؛ استسلم لها وأصبح طوع أمرها لا يكاد يرفض لها طلبا ولا يردّ لها أمرا.
إنّ من أعظم أسباب السّعادة، أن يجعل العبد معركته مع نفسه وشيطانه نصب عينيه، فلا ينساها أبدا، وكيف ينسى العبد معركته مع الشّيطان الذي أقسم على الله أن يضلّ العبد ولا يهدأ له بال حتى يقوده معه إلى جهنّم ليُسمعه خطبة البراءة؟ هل يليق بالعبد أن يستسلم للشّيطان ويتّخذه وليا والله قد حذّره منه وأمره بأن يتّخذه عدوا؟
وكيف ينسى العبد معركته مع نفسه وهو يعلم أنّ النّفس أمّارة بالسّوء إلا ما رحم ربّي، وأنّها تلميذة نجيبة للشّيطان تسمع نصحه وتأخذ برأيه وتركن إليه؟ أم كيف ينسى العبد معركةً ما خلق إلا ليخوض غمارها، فإمّا منتصر سعيد، وإمّا خاسر طريد؟ معركة لا تنتهي ولا تضع أوزارها حتى يُسلم العبد روحه إلى بارئها، فإمّا أن تكون النفس لحظتها قد لانت وخضعت واستكانت وصارت طيّبة، فيناديها الملك: “يا أيتها النفس الطيّبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان”، وإمّا أن تكون قد طغت وفسدت وخبثت، فيقال لها: “يا أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب”! ولو أنّ العبد المؤمن جعل هذه اللّحظة نصب عينيه، ما نسي معركته مع نفسه أبدا؛ لحظة مناداة النّفس في آخر عهدها بهذه الدّنيا.. حينها تظهر نتيجة المعركة، فإمّا أن يفرح العبد ويتنوّر وجهه، وإمّا أن يصعق ويندم ويعتري وجهَه القتر والذلّة والفزع.. ولأنّ العبد لا يعلم متى تأتي هذه اللحظة الحاسمة، فإنّه لا يطلب الراحة من معركته مع نفسه، لأنّه إن ارتاح من مجاهدة نفسه فإنّ نفسه لن ترتاح من طلب الانحدار إلى الأسفل. يقول أحد الصّالحين: “يموت المؤمن وسيفه يقطر دمًا”.
العبد المؤمن يعيش حياته وبين عينيه قول الله تعالى: ((فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)). وما أجملها وأحكمها من عبارة: ((ونهى النّفس عن الهوى))؛ النفس بطبعها تحبّ الهوى، وتعشق كلّ ما هو سهل عاجل يريحها في لحظتها وحينها.. ولا يهمّها ما تكون عليه العاقبة.. فالعبد الغافل المتولّي عن معركته ينقاد لنفسه ويطيعها في هواها، والعبد اللبيب ينهى نفسه ويخالفها ويردّها ويردعها ويذكّرها بالعاقبة.
النّفس بطبعها عجولة تعيش اللّحظة ولا تفكّر في العاقبة، تريد أن تنال ما تشتهيه في الحين والأوان ولا تقدّر العواقب، ((كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ))، ولذلك فهي إذا خيّرت بين عاجل قليل زائل، وآخر مؤجّل كثير باق، فإنّها تختار العاجل القليل الزائل على الآجل الكثير الباقي.. ولأجل هذا فهي تركن إلى الدّنيا وشهواتها العاجلة الزائلة، ولو كانت على حساب سعادة العبد وراحته، وعلى حساب نعيم الجنّة الباقي المؤجّل.
لو أنّ رجلا لا يملك سكنا، قرر أن يستأجر بيتا لمدّة 10 سنوات مثلا، وقرر أن يستغلّ السنوات العشر في جمع المال ليشتري أرضا ويبني عليها سكنا يقضي فيه بقية حياته، لكنّه وتحت إلحاح نفسه وزوجته وأبنائه راح ينفق ماله في تجميل وتأثيث السّكن الذي يستأجره وفي إنفاق المال في الملذّات والكماليات. وهكذا حتى انقضت السّنوات العشر فأتاه صاحب البيت ليطرده، فوجد نفسه في الشارع مشرّدا..
هل يقال عن هذا الرّجل إنّه عاقل؟ طبعا كلّ النّاس سيحكمون عليه بأنّه ليس عاقلا، ولكنّ كثيرا من النّاس حالهم هي تماما كحال هذا الرّجل؛ يبالغون في الاهتمام بدار الدّنيا ويطيعون أنفسهم في الركون إلى العاجلة، ويهملون الآخرة. وربّما يظلّون على هذه الحال، حتّى يفجأهم الموت فيجدوا أنفسهم من المشرّدين في الآخرة. ((وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ))، ((لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)).
العبد المؤمن العاقل يربّي نفسه ويجاهدها ولا يتركها تغترّ بالعاجل الفاني، بل يعوّدها الصّبر لأجل الظّفر بالباقي. ينهاها عن هواها وشهواتها ويقطع عنها آمالها الطّويلة.. ورمضان فرصة عظيمة ليربّي العبد نفسه على الصّبر لأجل الباقية.. فهو في نهار رمضان يرى صنوف الطّعام والشّراب تتلألأ أمام ناظريه في الأسواق ويشمّ روائحها الزكية في البيت، لكنّه يصبر ويخالف نفسه، حتّى ينال مناه عند الإفطار ويحظى بالأجر العميم عند العزيز الغفّار.. وهكذا الدّنيا كلّها بالنسبة للعبد المؤمن العاقل، كصوم يوم في رمضان، يصبر العبد على مخالفة نفسه، ويصبر عن المحرّمات، ليفطر على الحلال الباقي في الجنّة. ((سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)).

