
اجتاح إسم عمار الزبن وسائل التواصل الاجتماعي للإحتفاء بإطلاق سراحه، حيث لم يكن مجرد رقم في قوائم الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، بل كان علامة فارقة في مسيرة المقاومة الفلسطينية، وواحدًا من أولئك الذين تحولت سنوات اعتقالهم إلى حكاية صمود لم تنكسر رغم كل الأحكام.
عانق عمار اليوم الحرية بعد 27 عاما من الأسر، حيث خرج القائد القسامي إلى الحرية، رغم أن إسرائيل حكمت عليه بالسجن المؤبد 27 مرة، ورغم أنه رفض الإفراج عنه في صفقة شاليط عام 2011، إلا أن المقاومة أوفت بوعدها في صفقة "طوفان الأحرار"، التي أعادت للأسرى أملا جديدا في كسر القيد.
ولد عمار الزبن في نابلس عام 1975، ونشأ في بيئة لم تكن بعيدة عن درب النضال، فقد استشهد شقيقه بشار عام 1993 خلال اشتباك مسلح مع القوات الإسرائيلية، ليصبح هذا الحدث علامة فارقة في حياته حيث تم اعتقاله للمرة الثانية بعدما دخل السجن لأول مرة وهو في السادسة عشرة من عمره عام 1992، ثم جاء الاعتقال الحاسم عام 1998 عندما كان عائدا من الأردن بعد مهمة للمقاومة،
فوقع في قبضة الجيش الإسرائيلي وحكم عليه بالسجن المؤبد 27 مرة، بتهمة التخطيط والإشراف على عمليات نفذتها كتائب القسام في القدس عام 1997، أبرزها عمليتا "محاني يهودا" و"بن يهودا"، اللتان أسفرتا عن مقتل العشرات من الإسرائيليين.
ورغم أن الجيش الإسرائيلي حاول كسره بكل الطرق، من العزل الانفرادي إلى التحقيق القاسي الذي أفقده 20 كيلوغراما من وزنه، إلا أن إرادته ظلت عصية على الانحناء، فاستطاع أن يحول زنزانته إلى منبر نضالي، سواء عبر العلم أو الكتابة أو حتى كسر قيود الأسر بطرق غير مسبوقة، حيث أصبح عمار الزبن أول أسير فلسطيني ينجح في تهريب نطفة من داخل السجن، ليصبح أبا للمرة الأولى عام 2012 عندما رزق بابنه مهند، ثم كرر التجربة عام 2014، ليولد صلاح الدين، في خطوة ألهمت العشرات من الأسرى الذين ساروا على الدرب ذاته، حتى بات "سفراء الحرية" رمزا لصمود الأسرى في وجه السجان.
ولم يكن الزبن مجرد مقاتل في صفوف كتائب عز الدين القسام، بل كان أيضا كاتبا وأديبا، حيث ألف عدة روايات داخل السجن، أبرزها "عندما يزهر البرتقال", "من خلف الخطوط", "الطريق إلى شارع يافا", و"أنجليكا"، وهي أعمال لم تكن مجرد نصوص أدبية، بل كانت شهادة على بطولات المقاومة ومعاناة الأسرى، وقد نجح في إيصال صوت الأسرى إلى العالم من خلف القضبان.
أما على الصعيد الأكاديمي، فلم يستسلم عمار لحالة الأسر، بل استطاع أن يحصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية، ثم واصل دراسته حتى نال درجة الماجستير عام 2022 من جامعة القدس، وكان يستعد للحصول على الدكتوراه وهو لا يزال في الأسر، ليؤكد أن السجن لا يمكنه كسر الإرادة أو وقف الطموح.
لكن معاناة عمار الزبن لم تقتصر عليه وحده، بل امتدت إلى أسرته التي دفعت ثمن غيابه، فقد استشهدت والدته عام 2005 إثر جلطة دماغية أثناء مشاركتها في إضراب عن الطعام تضامنا مع الأسرى، ولم يتمكن من وداع والده الذي توفي في العام نفسه، بينما كانت زوجته دلال وابنتاه بشائر النصر وبيسان محرومات من زيارته لسنوات طويلة، في محاولة من إسرائيل لكسر عزيمته، لكنه ظل صامدا حتى نال الحرية أخيرا.
وعاد عمار اليوم وبعد أكثر من ربع قرن، إلى الحياة خارج السجن، لكنه لا يعود كما خرج، بل أيقونة نضال وصمود، ورمزا لعزيمة الأسرى الذين لا تزال قضيتهم حية في ضمير المقاومة الفلسطينية، حيث يتساءل الشارع الفلسطيني ومعه الأجهزة الأمنية الإسرائيلية عن إختياراته بعد الإفراج بين إمكانية عودته إلى ساحة القتال، أم تفرغه للكتابة ونقل تجربته إلى الأجيال القادمة.