العيش الشنقيطي.. وجبة الأصالة وذاكرة المائدة في أدبيات أهل إكَيدي

يُعدّ العيش من الوجبات التقليدية الأصيلة في المطبخ الشنقيطي، وقد تعددت طرق إعداده واستعمالاته بحسب الأذواق والعادات المحلية؛ إذ يُتناول مع اللبن، كما يُقدّم مع الدهن أو الإدام، الذي قد يُحضّر من اللحم أو من «التَّقْيَة»، وهي نبتة خضراء ذات قوام لزج. ومهما اختلف ما يُضاف إليه، يظل العيش وجبة شهية تحتفظ بمكانتها في الذاكرة الغذائية الموريتانية.
ويحظى العيش بمكانة خاصة لدى أهل الجنوب، ولا سيما سكان منطقة إكَيدي، حيث ارتبطت به جملة من الأمثال والأدبيات الشعبية التي تعكس عمق حضوره في حياتهم اليومية وثقافتهم.
ومن طرائف ما يُروى في أدبيات العيش عند أهل إكَيدي، قولهم إن العيش إذا أُعدّ من الدخن (البَشْنَة)، وتُرك حتى يبرد، ثم وُضع في قدح مصنوع من خشب «يَطَهْ»، وصُبّ عليه لبن بقرة حلوب، ومُلّح إدامه، وجاء تناوله في وقت متأخر من الليل، كان ذلك من أطيب الوجبات وألذّها.
ويعبّر أهل إكَيدي عن سر تميّز هذه الوجبة بقولهم: «إن جمال العيش يكمن في أن أوله عيش وآخره عيش»، في إشارة إلى استمتاعهم به واستمرار الرغبة في تناوله.
ومن أمثالهم أيضاً قولهم إن اثنين لا يضرّهما أن يبردا: السلام على القادم والعيش. ويقصدون بذلك أن السلام على القادم لا ينبغي أن يكون على عجل، بل يُستقبل بهدوء وتأنٍّ، حتى لا يبدو في ذلك شيء من الطمع أو الاستعجال.
ولم يغب العيش عن المقارنات الأدبية لدى أهل المحاظر، إذ ربطوا بينه وبين الشعر في قولهم:
«الشعر أفضله بيتان بيتانُ
والدَّكُّ أفضله مُدانِ مدانِ».
والدَّكّ هو مقدار ما يُخرج من الحبوب لإعداد العصيد أو العيش، ويُراد بهذا المثل أن يكون مقداره مدّين على الأقل، كما أن البيت الشعري لا تكتمل قيمته، في نظرهم، ببيت منفرد، وإنما يحسن أن يأتي ضمن بيتين متكاملين.
وهكذا لم يكن العيش مجرد وجبة تسدّ الرمق، بل كان جزءاً من ثقافة المجتمع وذاكرته الشعبية، تختزن حوله الأمثال والحكايات والحكم، وتكشف عن علاقة الإنسان الموريتاني بأرضه ومحاصيله وعاداته الغذائية، وعن قدرة المائدة البسيطة على صناعة أدب متوارث يعبر عن هوية المكان وأهله.
أخبار ذات صلة

منتدى الجاليات الموريتانية يختتم أعماله بسبع توصيات لتعزيز حقوق المغتربين ومشاركتهم في التنمية الوطنية

خطاب رئيس الجمهورية في منتدي الجاليات في الخارج
