
ما كشفه رئيس لجنة التحقيق في احتراق محطات الكهرباء بنواكشوط، السيد كان عثمان، من أن الشركة المنفذة قدّمت كابلات بمواصفات مخالفة،
ليس تفصيلًا فنيًا عابرًا. إنه تشخيص لداءٍ أعمق:
وهو الغش في المواصفات حين يطمئن صاحبه إلى أن أحدًا لن يفتح الملف.
الجديد ليس الخلل، فالخلل قديم.
الجديد أن الدولة قررت هذه المرة أن تسأل:
لماذا؟ ومن؟ وكيف؟
وهنا يستحق فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، كامل الإشادة والتقدير على تبنّي نهج التحقيق والمساءلة.
فالدولة التي تحمي مقدراتها لا تكتفي بإطفاء الحرائق،
بل تبحث عمّن تسبب فيها، وعن الثغرات التي سمحت بوقوعها.
وبصفتي مهندسًا يعرف ما تعنيه المواصفات في الميدان،
أقول: الكابل المخالف ليس توفيرًا في الكلفة،
بل قنبلة مؤجلة في جسد المرفق العام، وخيانة لثقة الدولة قبل أن يكون مخالفة فنية. فحين يتخذ رئيس الجمهورية قرارًا بالإصلاح والتنمية، يأتي من يغشّ في المواصفات ليحوّل هذا القرار من نعمة إلى نقمة، ومن رافعة للتنمية إلى بوابة للفساد. ويدفع المواطن الثمن ظلامًا وخسائر، وتدفعه الدولة مرتين: مرة عند الشراء، ومرة عند الإصلاح.
فخامة الرئيس،
أقترح عليكم تحويل هذا الأسلوب إلى آلية مؤسسية دائمة للتدقيق والمساءلة، تُخضع المشاريع العمومية لرقابة فنية مستقلة من دفتر الشروط إلى الاستلام،
فتكون حاضرة قبل الكارثة لا بعدها.
نريد لهذا التحقيق أن يكون بداية لا نهاية: لا تحمي فيها المناصب أصحابها، ولا تمنح الصفقات حصانة للمقاولين،
ولا يصبح توقيع محضر الاستلام شهادة براءة من المسؤولية.
ونريد أن تُقلب الطاولة على أصحاب المخالفات متى ثبتت مسؤولياتهم، شركاتٍ منفذة كانوا أو موظفين متواطئين أو مراقبين تغاضوا، وأن تُطبَّق العقوبات والإقصاء من الصفقات العمومية وفق القانون، وتُنشر نتائج التحقيقات للعموم.
وهنا يبرز سؤال الإصلاح الحقيقي:
هل الإصلاح في تغيير من يجلسون إلى الطاولة، أم في تغيير قواعد الجلوس إليها؟
فالحكومات تتغير والوزراء يتعاقبون، لكن الدولة تبقى، ولا ينبغي أن تبقى معها الأخطاء نفسها.
قد تنطفئ الحرائق بالماء، لكن أسبابها لا تنطفئ إلا بالرقابة والمحاسبة.
وذلك هو الفرق بين دولة تطفئ الأزمات، ودولة تبني المؤسسات التي تمنع حدوثها.
شكرا فخامة الرئيس

