النزاع في الصحراء الغربية بعد الفيتو الروسي.. أين يقف الاتحاد الأفريقي؟ وما حدود قدرته على التأثير؟/أحمد ولد الدوه” تحليل”

وكالة ميثاق: قراءة تحليلية في موقع أفريقيا من نزاع الصحراء، بين الانقسام الإقليمي وتراجع المبادرة الدبلوماسية
تكشف التطورات الأخيرة في مجلس الأمن بشأن الصحراء الغربية عن مفارقة سياسية تستحق التوقف عندها: فبينما تتنافس القوى الدولية على صياغة مستقبل النزاع، وتستخدم الدول دائمة العضوية حق النقض لحماية تصوراتها ومصالحها، تبدو القارة الأفريقية، التي ينتمي إليها النزاع جغرافياً وتاريخياً، بعيدة عن امتلاك مبادرة سياسية موحدة قادرة على التأثير في مساره.
ففي 30 أكتوبر 2026، استخدمت روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي المتعلق بتجديد ولاية بعثة المينورسو، بعدما حصل المشروع على تأييد 11 عضواً في مجلس الأمن. وفي المقابل، لم يحصل المشروع الروسي البديل على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده. وبذلك انتهى تفويض البعثة في 31 أكتوبر دون التوصل إلى قرار جديد بتمديده.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن لقارة أفريقيا، التي تحتضن أطراف النزاع وتتحمل تداعياته الأمنية والسياسية، أن تظل محدودة التأثير في قضية تتصل باستقرار شمالها الغربي ومستقبل علاقاتها الإقليمية؟
أولاً: الانقسام الأفريقي.. المغرب والجمهورية الصحراوية داخل مؤسسة واحدة
من الضروري تصحيح تصور شائع: المغرب ليس خارج الاتحاد الأفريقي، بل عاد إلى عضويته في يناير 2017، في حين أن الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية عضو في الاتحاد منذ عام 1982. وهذا يعني أن الطرفين أصبحا عضوين داخل المنظمة القارية نفسها، وهو وضع يضع الاتحاد أمام معادلة سياسية وقانونية معقدة.
وتتوزع المواقف الأفريقية بين دول تؤيد الموقف المغربي ومقترح الحكم الذاتي، وأخرى تدعم حق الصحراويين في تقرير المصير وتحتفظ بعلاقات سياسية مع جبهة البوليساريو، فضلاً عن دول تفضل الحياد أو تجنب الانخراط في التجاذبات الثنائية.
لكن اختزال الانقسام في معسكرين فقط لا يعكس حقيقة المشهد؛ فهناك فرق بين الاعتراف السياسي بموقف معين، ودعم مبادرة دبلوماسية، واتخاذ قرار رسمي بشأن النزاع.
والأهم أن وجود المغرب والجمهورية الصحراوية داخل الاتحاد يجعل أي محاولة لفرض موقف قاري موحد أمراً بالغ التعقيد، خصوصاً في ظل حساسية التوازنات بين الدول الأعضاء.
لا يقتصر دور الاتحاد الأفريقي على إصدار البيانات أو تسجيل المواقف، بل يمتلك مؤسسات وآليات يمكن أن تسهم في معالجة النزاعات، وفي مقدمتها مجلس السلم والأمن الأفريقي.
وقد اتخذ الاتحاد في يوليو 2018 قراراً بإنشاء آلية أفريقية تضم الترويكا الرئاسية للاتحاد ورئيس المفوضية، بهدف دعم الجهود التي تقودها الأمم المتحدة، وتشجيع الأطراف على إبداء المرونة، والعمل على بلورة أرضية للتوافق بالتشاور مع المنظمة الدولية.
كما دعا القرار إلى إعادة تفعيل مكتب الاتحاد الأفريقي لدى بعثة المينورسو في العيون.
وهذا يعني أن الاتحاد لا يفتقر إلى الأساس المؤسسي للتدخل، وإنما تكمن الإشكالية في مدى قدرته على تفعيل هذه الآليات وتحويلها إلى حراك دبلوماسي مستمر، بعيداً عن التجاذبات الثنائية.
ثانياً: الاتحاد الأفريقي يمتلك إطاراً للتدخل.. لكنه لم يستثمره بما يكفي
لا يقتصر دور الاتحاد الأفريقي على إصدار البيانات أو تسجيل المواقف، بل يمتلك مؤسسات وآليات يمكن أن تسهم في معالجة النزاعات، وفي مقدمتها مجلس السلم والأمن الأفريقي.
وقد اتخذ الاتحاد في يوليو 2018 قراراً بإنشاء آلية أفريقية تضم الترويكا الرئاسية للاتحاد ورئيس المفوضية، بهدف دعم الجهود التي تقودها الأمم المتحدة، وتشجيع الأطراف على إبداء المرونة، والعمل على بلورة أرضية للتوافق بالتشاور مع المنظمة الدولية.
كما دعا القرار إلى إعادة تفعيل مكتب الاتحاد الأفريقي لدى بعثة المينورسو في العيون.
وهذا يعني أن الاتحاد لا يفتقر إلى الأساس المؤسسي للتدخل، وإنما تكمن الإشكالية في مدى قدرته على تفعيل هذه الآليات وتحويلها إلى حراك دبلوماسي مستمر، بعيداً عن التجاذبات الثنائية.
ثالثاً: الفيتو الروسي يكشف حدود التأثير الأفريقي
إن ما جرى في مجلس الأمن لا يتعلق فقط بالخلاف الروسي الأمريكي، بل يكشف أيضاً حجم تأثير القوى الكبرى في تحديد مسار النزاع.
فالمشروع الأمريكي لم يكن مجرد تمديد تقني لولاية المينورسو، بل تضمن عناصر سياسية تتعلق بمقترح الحكم الذاتي، وطبيعة المفاوضات، ومستقبل البعثة الأممية. وقد بررت موسكو اعتراضها بأن المشروع يتضمن توجهاً يسبق نتائج التفاوض ويحد من خيارات التسوية.
وفي المقابل، اعتبرت واشنطن أن استمرار البعثة بالصيغة السابقة لم يعد كافياً لتحقيق أهدافها.
وهكذا تحولت قضية الصحراء إلى ساحة تداخل بين الموقفين الأمريكي والروسي، في وقت لم يظهر فيه الاتحاد الأفريقي بمبادرة مستقلة قادرة على التأثير في صياغة التسوية أو تقريب وجهات النظر.
وهنا تكمن إحدى المفارقات: أفريقيا ليست غائبة عن الملف من الناحية القانونية والمؤسسية، لكنها ليست حاضرة بالوزن السياسي الذي يفترضه انتماء النزاع إليها.
رابعاً: الجزائر والمغرب.. التنافس الإقليمي يعطل الوساطة القارية
يصعب تحليل الموقف الأفريقي دون التوقف عند طبيعة العلاقات بين المغرب والجزائر، باعتبارهما طرفين محوريين في النزاع، وإن كانت جبهة البوليساريو هي الطرف المباشر الآخر في العملية السياسية.
فالمنافسة المغربية الجزائرية تجاوزت حدود الخلاف حول الصحراء، وأصبحت مرتبطة بتوازنات النفوذ في شمال وغرب أفريقيا، وبالتحالفات السياسية والأمنية والاقتصادية داخل القارة.
وقد انعكس هذا التنافس على قدرة الاتحاد الأفريقي على بناء موقف مشترك، إذ أصبح الملف في كثير من الأحيان امتداداً للخلافات الإقليمية بدلاً من أن يكون مجالاً لتوافق أفريقي.
لكن مسؤولية استمرار الجمود لا يمكن اختزالها في طرف واحد؛ فهناك أيضاً تعقيدات تاريخية وقانونية، وتباينات في تصورات التسوية، وتدخلات دولية متباينة المصالح.
خامساً: أين يمكن أن تتحرك أفريقيا الآن
إن انتهاء تفويض المينورسو في 31 أكتوبر 2026، دون اعتماد قرار جديد، لا يعني بالضرورة انتهاء الوجود الأممي بصورة نهائية أو إغلاق ملف النزاع، لكنه يضع مستقبل البعثة وآليات مراقبة الوضع الميداني أمام حالة من عدم اليقين.
وتبعاً لذلك، يمكن للاتحاد الأفريقي أن يتحرك عبر خمسة مسارات:
1. إعادة تفعيل الآلية الأفريقية: استئناف اجتماعات الترويكا الأفريقية وإحياء دورها في تقريب وجهات النظر بين الأطراف.
2. استعادة المبادرة الدبلوماسية: عدم ترك مستقبل النزاع رهينة التجاذب بين القوى الكبرى، والعمل على بناء موقف أفريقي داعم لمسار تفاوضي جاد.
3. تعزيز التنسيق مع الأمم المتحدة: الدفع نحو ضمان استمرار آليات المتابعة الأممية، وتجنب أي فراغ أمني أو سياسي قد ينعكس على استقرار المنطقة.
4. إشراك دول الجوار: خصوصاً موريتانيا، باعتبارها دولة مجاورة معنية مباشرة بالاستقرار الإقليمي، مع الحفاظ على دورها في دعم الحل السياسي.
5. الفصل بين الخلافات الثنائية والمصلحة القارية: بحيث لا تتحول المؤسسات الأفريقية إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية بين الدول الأعضاء.
1. إعادة تفعيل الآلية الأفريقية: استئناف اجتماعات الترويكا الأفريقية وإحياء دورها في تقريب وجهات النظر بين الأطراف.
2. استعادة المبادرة الدبلوماسية: عدم ترك مستقبل النزاع رهينة التجاذب بين القوى الكبرى، والعمل على بناء موقف أفريقي داعم لمسار تفاوضي جاد.
3. تعزيز التنسيق مع الأمم المتحدة: الدفع نحو ضمان استمرار آليات المتابعة الأممية، وتجنب أي فراغ أمني أو سياسي قد ينعكس على استقرار المنطقة.
4. إشراك دول الجوار: خصوصاً موريتانيا، باعتبارها دولة مجاورة معنية مباشرة بالاستقرار الإقليمي، مع الحفاظ على دورها في دعم الحل السياسي.
5. الفصل بين الخلافات الثنائية والمصلحة القارية: بحيث لا تتحول المؤسسات الأفريقية إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية بين الدول الأعضاء.
سادساً: موريتانيا.. موقع جغرافي ومسؤولية دبلوماسية
تكتسب موريتانيا أهمية خاصة في هذا الملف، بحكم موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع مختلف الأطراف، وحرصها على تجنب التصعيد في محيطها الإقليمي.
فهي ليست مجرد دولة مجاورة للنزاع، بل طرف معني مباشرة بأي تطورات قد تؤثر على أمن المنطقة وحركة التجارة والتعاون المغاربي والأفريقي.
ومن هنا، فإن الحفاظ على سياسة التوازن والانخراط الإيجابي في الجهود الأممية والأفريقية يظل من أبرز الخيارات الدبلوماسية المتاحة أمام نواكشوط.
كما أن بإمكان موريتانيا، بالتنسيق مع دول الجوار والاتحاد الأفريقي، الدفع باتجاه استعادة الحوار وتجنب تحول الخلاف السياسي إلى مصدر إضافي لعدم الاستقرار الإقليمي.
الخلاصة:
هل أصبحت أفريقيا متفرجة على نزاع داخل بيتها؟
إن السؤال عن دور أفريقيا بعد الفيتو الروسي ليس سؤالاً بروتوكولياً، بل يتعلق بمكانة القارة في صناعة القرارات التي تمس أمنها ومستقبلها.
فمن غير الطبيعي أن تظل قضية أفريقية بهذا الحجم رهينة التجاذبات الدولية، بينما تمتلك القارة منظمة قارية تضم أطراف النزاع نفسها، ومؤسسات معنية بحفظ السلم والأمن وتسوية الخلافات.لكن استعادة الدور الأفريقي لا تعني فرض حل مغربي أو صحراوي، ولا استبدال المرجعية الأممية بمرجعية إقليمية، وإنما تعني توفير مساحة تفاوضية أكثر توازناً، تقوم على الحوار واحترام الالتزامات الدولية، وتراعي حق الصحراويين في تقرير المصير ومخاوف دول المنطقة الأمنية والسياسية.
إن التحدي الحقيقي أمام الاتحاد الأفريقي ليس إصدار موقف جديد بشأن الصحراء، بل إثبات قدرته على الانتقال من إدارة الانقسام إلى المساهمة في صناعة التسوية.
فهل تستطيع أفريقيا استعادة زمام المبادرة في قضية تدور رحاها على أرضها، أم ستظل تنتظر ما تقرره موسكو وواشنطن وبقية العواصم الدولية؟
أخبار ذات صلة

رحيل رجل الأعمال محمد سعيد ولد أحمد لمرابط.. مسيرة من العطاء والعمل الخيري وخدمة المجتمع

عبدول السيد يفوز بمقعد ميشيغان ويصبح أول مسلم في تاريخ مجلس الشيوخ الأمريكي “فيديو
