قراءة في الانتهاكات القانونية بحق محمدو ولد صلاحي
الأحد, 30 أغسطس 2015 13:49

محنة محمدو ولد صلاحي هي في الحقيقة مسلسل من الانتهاكات البشعة، قد تكون أقلها فظاعة الانتهاكات القانونية – موضوع هذه الورقة. فهو ضحية لانتهاك الكرامة الإنسانية وضحية لانتهاك مبادئ الاخلاق والدين بل وحتى انتهاك الفطرة.

وبالطبع لا يتسع المقام هنا لحصر مظاهر تلك الانتهاكات كما وردت في مذكرات الضحية، ولكن من أبشع أمثلتها المنع من التنفس الطبيعي طيلة الرحلة من الأردن إلى أفغانستان والمنع في عديد الأحيان من قضاء الحاجات الطبيعية كالتبول والمنع من الشراب والتعريض المبالغ فيه لعوامل الطبيعة كالبرد الشديد والحر الشديد، بالإضافة إلى التعذيب الجسدي بالضرب والصعق والاهانات النفسية كالعزلة الطويلة والإيهام بسجن أعضاء الاسرة، خاصة الوالدة، والاعتداءات الجنسية وما إلى ذلك مما هو معروف – وما خفي قد يكون أعظم - من الممارسات الوحشية في السجون الامريكية في غوانتانامو وفي العديد من الدول.
وبعد أن نجحت بعض الدول في استرجاع مواطنيها من مستنقع غوانتانامو، وفشلت بلادنا في ذلك، فقد أضحى من واجب كل من يملك وسيلة للتعبير، مهما كانت، أن يستخدمها لتبليغ الأمريكيين رسالة مفادها أن الشعب الموريتاني بجميع نخبه غير راض، بل رافض، لما يتعرض له محمدو ولد صلاحي من ظلم في سجونهم دون محاكمة أو حتى توجيه اتهام. ومن المؤكد أن السفير الأمريكي في نواكشوط، الذي يحرص، حتى على حضور حفلات الأعراس في الكزرات، سيطلع على تلك الرسائل، وأنه سيبلغها بأمانة إلى من ابتعثوه لرصد كل شاردة وواردة في موريتانيا، هذا البلد الي لا يملك سوى بقية وحدة وطنية تنسجها مبادئ الإسلام النقي ومع ذلك لا يريدون له دوام نعمة الاستقرار.
لقد تميزت المعاملة اتي تعرض لها ولد صلاحي بتحييد تام ومتعمد للقضاء منذ اختطافه في مطار داكار يوم 29 يناير 2000 من طرف عملاء أمريكيين وسنغاليين إلى يوم مثوله في أغسطس 2010 أمام القاضي الأمريكي جيمس روبرتسون الذي لم يتردد في الامر بإخلاء سبيله، لكن دون جدوى.
ودون الخوض في الانتهاكات التي تعرض لها ضحية القانون والأخلاق والوطن من طرف الأمريكيين والسنغاليين والاردنيين، فسنقتصر هنا على قراءة غير حصرية في الانتهاكات التي تعرض لها في بلده وعلى يد السلطات الأمنية والسياسية الموريتانية. وسنتوقف عند أربع نماذج كل واحد منها أشنع من سابقه، هي انتهاك قواعد استلام المطلوبين وانتهاك قواعد الحجز أو التوقيف وانتهاك قواعد التحقيق وانتهاك قواعد التسليم. وكما قلت فهي مجرد أمثلة غير حصرية؛ ومن المؤكد أن كل متابع لهذه القضية ستتكشف له حسب مجال اهتمامه مجموعات أخرى من الانتهاكات البشعة والصارخة، خاصة في مجال ضرب الحائط بقواعد حقوق الانسان والقانون الإنساني.
أولا: انتهاك قواعد استلام المطلوبين
يخضع تسليم وتسلم الأشخاص لمجموعة من الشروط والضوابط والضمانات التي تنص عليها اتفاقيات حقوق الانسان واتفاقيات التعاون القضائي وقوانين الإجراءات الجنائية لكل بلد. ومن أساسيات شرعية التسليم أن يكون تسلم أي شخص من أجل التحقيق معه مسبوقا بطلب تسليمه من سلطات قضائية أو على الأقل أن يكون موضوع بحث واشتباه جنائيين. تنص المادة 9 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في 10 ديسمبر سنة 1948 على أنه "لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفا".
وعند تسلم موريتانيا لمحمدو ولد صلاحي من أيدي السلطات السنغالية، بواسطة عملاء أمريكيين لم يكن وقتها مطلوبا للقضاء الموريتاني ولا محل اشتباه أو متابعة للسلطات الأمنية الموريتانية، فعلى أي أساس إذن سلمته السنغال وبأي مبرر تسلمته موريتانيا؟ ليس هناك أساس قانوني على الاطلاق. لكن الظاهر أن السنغاليين كانوا أكثر ذكاء من الموريتانيين، كما كانوا دائما، فقد فهموا اللعبة وأرادوا من وراء تسليمه لموريتانيا الخروج من الورطة بأياد نظيفة حيث قالوا له، بعد ثمان وأربعين ساعة من الاحتجاز والاستجواب في مفوضية للشرطة بداكار، لم نجد شيئا ضدك وسنطلق سراحك ونرحلك إلى بلدك. لكن هذا الترحيل لم يكن تسفيرا إداريا بل كان تسليما للسلطات الأمنية الموريتانية تم بواسطة محققين أمريكيين تولوا الرحلة على متن طائرة خاصة.
من الواضح إذا أن الإجراءات المتبعة ضد محمدو ولد صلاحي كانت تحركها أياد لا تكترث كثيرا بانتهاك القانون خاصة إذا كان انتهاكه يمارس خارج حدودها. وليست هذه الإجراءات التعسفية في استلام ولد صلاحي من السنغاليين، رغم أنه غير مطلوب قضائيا ولا أمنيا، إلا بداية لسلسلة من الخروقات القانونية اللا متناهية في حقه.
ثانيا: انتهاك قواعد الحجز أو التوقيف
تجمع كافة الشرائع الوطنية والاتفاقيات الدولية والوطنية على منع حجز أو توقيف أي شخص بدون سند شرعي. وقد نظمت مجلة الإجراءات الجنائية الموريتانية التوقيف من أجل الاشتباه واشترطت له شروطا ووضعت له ضوابط محددة وكفلت للموقوف مجموعة من الحقوق الأساسية (المواد من 57 وما بعدها). كما تضمنت الاتفاقيات الدولية منعا صريحا لكل توقيف تعسفي يمارس بأي شكل من الأشكال (المادة 9 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان والمادة 9 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وحتى المادة 3-1-ج من اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بحالات التوقيف في ظروف النزاعات المسلحة.
غير أن كل القوانين الوطنية والدولية كانت معطلة في قضية محمدو. فقد تم احتجازه مرتين في مكان ما في نواكشوط دون احترام لأي من الشروط والضوابط والحقوق المتعلقة بالاحتجاز، الأولي مباشرة بعد تسلمه من السنغاليين من 23 يناير إلى 19 فبراير 2000 الثانية من 29 سبتمبر إلى 28 نوفمبر 2001، تاريخ تسليمه للأمريكيين وترحيله إلى الاردن.
لم تبلَّغ السلطات القضائية عن وجوده في مخافر الشرطة ولم تحترم هذه الأخيرة مدة الحجز المنصوص عليها في القانون، وهي 48 ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة بإذن خطي من وكيل الجمهورية، مع الاستثناءات المتعلقة بجنايات أمن الدولة التي لا تتجاوز فيها مدة التوقيف 15 يوما (المادة 57، فقرة 2 و4)، وبعد انقضاء هذه الفترة يلزم ضابط الشرطة القضائية بعرض المحتجز على وكيل الجمهورية أو إطلاق سراحه فورا (الفقرة 5 من نفس المادة). ويجدر التنبيه هنا إلى أن قانون الإرهاب (القانون 2010-035) الذي يسمح بفترة توقيف أطول للمشتبه بهم في قضايا الارهاب قد تصل 45 يوما لم يكن قد صدر في تلك الفترة. ومع ذلك فإن مجموع الفترات حجز محمدو ولد صلاحي في مخافر الشرطة الموريتانية بلغت 66 يوما.
ومن تلك الانتهاكات أيضا عدم إبلاغ أسرة الموقوف عن وجوده محتجزا لدى الشرطة الموريتانية، كما تنص على ذلك المادة 58 من قانون الإجراءات الجنائية، بل إن العميل الأمريكي كان أرحم به عندما اتصل هاتفيا بأسرته، بناء على طلب ولد صلاحي، وأخبرهم أنه موجود في انواكشوط، وقد استنكر المحقق الموريتاني على ولد صلاحي طلبه من الأمريكي الاتصال بذويه وإخبارهم بوضعيته.
ثالثا: انتهاك قواعد التحقيق
ينص قانون الإجراءات الجنائية الموريتاني في المواد 13 و14 على أن التحقيق الابتدائي يتم تحت إدارة وإشراف ورقابة القضاء (وكيل الجمهورية والمدعي العام لدى محكمة الاستئناف وغرفة الاتهام) كما يجب أن يتم وفق إجراءات تكفل كافة حقوق الموقوف، بما في ذلك الاتصال بدفاعه. وغني عن القول إن التحقيق يجب أن تتولاه جهة مخولة قانونا بذلك، ممثلة في ضابط شرطة قضائية مختص مكانيا ونوعيا أو من في حكمه. فالتحقيق مع المتهمين مرتبط بأعمال السلطة القضائية وبالتالي يرتبط بسيادة الدولة.
وفي قضية محمدو ولد صلاحي تم انتهاك تلك المبادئ التي تصل إلى درجة الدستورية. فالتحقيق معه طوال 66 يوما لم يتم بإدارة أو إشراف القضاء ولا حتى بعلمه، وبطبيعة الحال دون حضور دفاعه. وقد تولى التحقيق معه محققون أجانب، يذكر هو في مذكراته أنهم أمريكيون، في غياب المحققين الموريتانيين، بل إن هؤلاء يتم طردهم من مكتبهم في الأوقات المخصصة للاستجواب !!
ولئن كانت مشاركة محققين أجانب في الاستجواب ممكنة في حالات معينة ووفقا لشروط وضوابط محددة، منها أن يكون في إطار تعاون قضائي مبني على اتفاقية دولية وأن يكون القضاء الوطني قد أذن به وأن يكون المحقق الوطني حاضرا للاستجواب وأن يقتصر دور المحقق الأجنبي على طرح أسئلة محددة بعد موافقة المحقق الوطني، فقد ذكر محمدو ولد صلاحي أن المحقق الأمريكي طرد نظيره الموريتاني من مكتب هذا الأخير عندما هم ذات مرة بالدخول أثناء جلسة استجواب. هذا مع العلم أن موريتانيا والولايات المتحدة الأمريكية لا تربطهما أي اتفاقية تعاون قضائي تتيح للأمريكيين القيام بأي نوع من أنواع الاعمال القضائية في موريتانيا.
وفوق هذا كله فقد كان التحقيق مع ولد صلاحي من طرف الأمريكيين مصحوبا بالإهانات النفسية والتعذيب الجسدي، حيث ذكر ضحية هذه الانتهاكات من أمثلة ذلك أن المحقق الأمريكي رفض مصافحته، ومنعه من شرب كاس من الماء، كما ذكر أنه في نهاية جلسة استجواب ضربه بقارورة لتر ونصف من الماء معبأة كادت تهشم أنفه !! وتمثل هذه الانتهاكات خرقا مزدوجا للقانون وللعرف، فالضحية لا يخضع للتعذيب والاهانة فحسب، بل أيضا في بلده وعلى يد عميل أجنبي ليس مخولا قانونا للتحقيق معه وفي خرق تام لجميع القواعد الإجرائية.
رابعا: انتهاك قواعد التسليم
تكللت الانتهاكات السابقة بانتهاك أقدس وثيقة قانونية في البلد؛ فمع أن الدستور الموريتاني – على عكس دساتير جل الدول التي تحمي مواطنيها – لم يمنع صراحة تسليم المواطنين، فقد نص في المادة 22 على أنه "لا يسلم أحد خارج التراب الوطني إلا طبقاً للقوانين أو معاهدات التسليم." ورغم ذلك فقد تم تسليم محمدو ولد صلاحي للسلطات الأمريكية يوم عيد الاستقلال الوطني لبلده – كما يؤرخ هو نفسه لذلك الحدث – فقامت بترحيله إلى الأردن في خرق سافر للدستور وللإجراءات الجنائية والمواثيق الدولية لتتفتح بذلك فصلا آخر من محنته المستمرة.

وانسجاما مع مبدأ منع تسليم المواطنين المكرس في أغلب الدساتير، لا تطلب الاتفاقيات الدولية للتعاون القضائي عادة من الدول تسليم مواطنيها إلى أي جهة، وإنما تكتفي بمطالبتها بتطبيق مبدأ "سلم أو حاكم" (extrader ou juger) الذي يقضي بضرورة محاكمة المواطن الذي لا يمكن تسليمه من طرف بلده إذا كان موجودا فيه متى كان متهما بارتكاب جريمة ضد بلد أجنبي.
وفوق هذا تنص جميع اتفاقيات التعاون القضائي على عدم جواز تسليم أي شخص لأي بلد يمارس التعذيب، وتعتبر هذا التخوف من الأسباب المعطلة لواجب التسليم. والمعروف أن كافة محطات ولد صلاحي هي بلاد تمارس أبشع أنواع التعذيب أصالة عن نفسها ونيابة عن الولايات المتحدة وأن هذه الأخيرة مارسته ببشاعة في غوانتانامو بمباركة من سلطاتها الرسمية.
وبغض النظر عن كل المواثيق الدستورية والدولية، فمحمدو ولد صلاحي لم يكن أصلا مطلوبا قضائيا لأي جهة قضائية حتى يقوم بلده بتسليمه، فالقضاء الأمريكي لم يحرر يوما مذكرة اعتقال ضده واسمه ليس موجودا على لائحة الإنتربول الحمراء، فعلى أي أساس سلمته موريتانيا إذن!! لعل الإجابة توجد في مذكرات السجين حيث ذكر إن الرئيس الأمريكي جورج بوش اتصل بالرئيس الموريتاني معاوية ولد سيد احمد الطايع وطلب منه تسليم ولد صلاحي للأمريين، فامتثل الأخير الذي كان حكمه مهددا من الداخل ومعزولا من الخارج ويبحث عن أي وسيلة يرضي بها الأمريكيين لتخفيف الضغط عليه.
ولما قرروا تسليمه للأمريكيين، قاموا بذلك دون احترام لقواعد التسليم المقررة في مسطرة الإجراءات الجنائية، تماما كما كانت معاملته أثناء الاعتقال خارقة للقانون. فكانت العملية التسليم في حقيقتها عبارة عن عملية اختطاف استعملت فيها أساليب الكذب والخداع، فقد قال له الضابط الموريتاني بأنه سيرحل إلى الأردن لمدة يومين أو ثلاثة أيام لمزيد من التحقيقات ثم سيعود إلى بلده وبيته. كما أن الرحلة كانت رحلة اختطاف بامتياز تم فيها تعصيب عينيه وأذنيه وطأطأة رأسه أثناء الرحلة وتم إخفاؤه بالكامل أثناء فترات التوقف لتزويد الطائرة بالوقود حتى لا تلاحظه سلطات مطارات ترانزيت.
خاتمــــــــــــــــــــــــــــــــة
الجريمة المرتكبة ضد محمدو ولد صلاحي من طرف وطنه ليست من الجرائم التي تقبل التقادم، لأنها جريمة أخلاقية أولا وسياسية ثانيا وإنسانية ثالثا؛ ولأن مرتكبها هو نظام وليس شخصا. لذا لا تنطبق عليها قواعد التقادم في الجرائم العادية.
وقد يمكن فهم التحركات الخجولة التي تقوم بها الجهات الرسمية حاليا من أجل المساعدة في إنقاذ ولد صلاحي على أنها رسالة إلى الرأي العام الوطني مفادها أن الجريمة التي ارتكبت في حقه جريمة أشخاص وليست جريمة وطن. لكن ذلك لن يقنع أحدا ما لم تتواصل تلك الجهود إلى أن تكلل بالإفراج عنه (كما نجحت عديد الدول في تخليص مواطنيها المعتقلين في غوانتانامو) وتحديد ومساءلة من تسببوا له في كل ذلك البلاء مع حقه في متابعتهم جنائيا أو التجاوز عنهم، ثم تعويضه هو وذويه تعويضا عادلا عن معاناتهم المستمرة من يناير 2000 حتى كتابة هذه الاسطر.
وإذا كانت قضية معاناة محمدو ولد صلاحي قد انكشفت بعض خيوطها بفضل شجاعته وعزيمته التي تمخضت عن نشر مذكراته، فإن قضية معاناة مواطن موريتاني آخر في غوانتانامو، هو أحمد ولد عبد العزيز، لم تجد بعد فرصة لتحدث عن نفسها، ولا يجوز أن يكون ذلك سببا لإغفالها.
ملاحظة: جميع الاحداث والتواريخ الواردة في هذا المقال منقولة من كتاب : محمدو ولد صلاحي، يوميات غوانتانامو، تحرير لاري سيمز، ترجمة عمر رسول، إصدار دار الساقي 2015
الدكتور يعقوب آلويمين، قاض وموظف دولي حاليا

قراءة في الانتهاكات القانونية بحق محمدو ولد صلاحي